لقد بذل الأنبياء والأولياء ما بوسعهم ، وأدوا ما عليهم ، وأن ما في هذه الدنيا من خيرٍ وبركات هو بفضلهم وبفضل الجهود التي بذلوها والمشاق التي تحملوها في سبيل إصلاح البشر وهدايتهم .
فعلينا أن لا ننظر إلى الأمور من منظار مادي بحت ، وأن لا نقتصر في تقييمنا لمسائل ، النصر والهزيمة ، والربح والخسارة ، على المعايير المادية فحسب ، بل علينا أن نجعل معاييرنا معايير إلهية ، ونقيّم الأمور من حيث النصر والهزيمة على ضوء هذه المعايير . فإننا لو إنتصرنا في هذا الميدان الإلهي ، وفي هذا الصراط الإنساني المستقيم ، فسنكون نحن الغالبين حتى لو قام العالم بأسره ضدنا ، وحتى لو قتلنا وأُبدنا عن آخرنا ، لأن المعيار ليس هو المعيار المادي ، وأن العالم ليس مجرد هذا العالم الطبيعي المادي الذي نتحسسه . فهناك عوالم إلى ما شاء الله ، منها أتينا وإليها نعود ، وما هذا العالم الذي نعيش فيه إلا أدناها مرتبة . فالميزان هو هذا الميدان وهذا الصراط ، والمعيار الحقيقي للإنسان بما هو إنسان في انتصاره وهزيمته وربحه وخسرانه هو هذا الصراط ومدى السير فيه لا الطبيعة وكل ما هو مادي . ولو أنّا وفقنا للسير على نفس هذا الصراط ، الذي سار عليه الأنبياء والمرسلون ( ع ) من قبل لانتصرنا كما انتصروا هم رغم التعذيب والقتل والحرق والنفي الذي تعرضوا له ؛ فقد انتصر الأنبياء في هذا الطريق ، طريق الانسان ، في حين أن أعداءهم أعداء الإنسانية من الطواغيت والفراعنة ، خسروا في هذا الميدان ليخسروا بذلك إنسانيتهم ، وليسقطوا إلى مهاوي الحيوانية والشيطانية ، رغم كل الجاه والملك ، ورغم جميع الانتصارات والمكاسب المادية التي حققوها ، لأنهم في الأصل لم يخطوا في هذا المسير ، ولأنهم في الأصل محجوبةٌ قلوبهم عن درك غير المادي والحيواني من الأمور .
فأولئك الذين أدركوا أن الهدف والقصد لابد أن يكونا إلهيين ، وأنهم من الله وللّه وإليه راجعون ( إنا للّه وإنّا إليه راجعون ) « 1 » لا يرون لأنفسهم ولأعمالهم أي دور . وإنما هم يقدّمون ما آتاهم الله وأعطاهم في سبيله . فمن الله وفي سبيله . فلو فرضنا أننا نريد السير على نفس الدرب الذي سار عليه الأنبياء ، فإنه لمن عمى القلب أن يظن الإنسان بنفسه أنه يفعل ويقدّم شيئاً . كيف هذا وهو غارقٌ في نعم الله ؟ عيناه من الله ، أذناه من الله قوته من الله ، ويداه ورجلاه من الله ، وكل شيء لديه من الله فإني لا أستطيع أن أسمي هذا على أنه أمانة ، لأن الأمانة تختزن في داخلها شيئاً من النفسانية والأنا . فعندما يكون كل ما تقدّمه في سبيل
هامش
( 1 ) ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 156 .