لنلاحظ مثلًا شخصين يحمل كل منهما سيفاً بيده ثم يرفعه ويهوي به ليصرع شخصاً آخر ، فصورة كلا العملين واحدة ولكنهما مختلفان من حيث القيمة لدرجة أن ضربة أحدهما تعادل عبادة الثقلين « 1 » ، في حين أن ضربة الأخر تخلّده في النار « 2 » ، فما هو منشأ هذا الاختلاف في القيمة ، إنه يعود إلى الإنسان نفسه ، إلى معنوياته ومقاصده وغاياته التي تدفعه للإتيان بهذه الأعمال ، فقيمة الأعمال من حيث الحسن والقبح والفضيلة والرذيلة ، وحتى دوافع هذه الأعمال مبنية على معنويات الفرد وغاياته ومقاصده .
ثبات وصمود الأنبياء ( ع ) أمام الصعاب
إن تلك القوة ، وذلك الثبات والصمود المذهل الذي كان يبديه الأنبياء ( ع ) ، في وجه العقبات والمشاكل والتحديات التي كانت تعترض طريقهم أثناء قيامهم بمهامهم وأعمالهم في تبليغ رسالات ربهم ، يعود إلى الصبغة الإلهية للدوافع الكامنة وراء هذه الأعمال . ويجب القول ؛ إن أيّاً من هذه المشقات والصعاب التي كانت تبدو لنا من حيث دوافعنا البشرية على أنها شاقة وصعبة ، هي ليست كذلك بالنسبة للأنبياء ، لأن المقاصد والآفاق التي يطمحون إليها ويتحركون ويعملون من أجلها هي من العظمة والسمو بمكان ، بحيث تهون في جنبها جميع الصعاب والمشاق ، ولهذا نراهم يصرفون العمر كلّه في سبيلها دون أي ضعف أو هوان أو تراجع ولو خطوة واحدة . فإني لا أظن أن هناك إنساناً . لاقى ما لاقاه رسول الله ( ص ) من المشقة والتعب في تلك السنوات الثلاث عشرة التي قضاها في مكة وتلك السنوات العشر التي عاشها في المدينة ، حتى أنه يمكن القول بأن المتتبع لحياة رسول الله ( ص ) في هاتين الفترتين يجد أن الرسول لم ينعم حتى يوماً واحداً من الراحة طيلة هذه السنوات .
ففي مكة لم يتركه مشركوها ولا للحظة واحدة ، ومارسوا ضده أنواع الضغوطات والأذى والمقاطعة الاجتماعية والاقتصادية ، ووضعوه تحت المراقبة الشديدة ، فلم يغب عن أنظارهم حتى أيام اعتكافه في الغار ، وذلك على أمل أن يتراجع عن دعوته ، إلا أنه بقي صامداً ، صابراً ، ولم يزده ذلك إلا إيماناً وثباتاً ، وعندما درس معطيات الواقع ، وأيقن أن لا جدوى من البقاء في مكة ، وأن ذلك لن يصب في صالح الدعوة والرسالة ، آثر الهجرة على البقاء ، فقد كانت أياماً عصيبة تلك التي قضاها في مكة ، لم ينعم فيها حتى بيوم من
هامش
( 1 ) ( 1 ) إشارة إلى ضربة علي ( ع ) يوم الخندق .
( 2 ) ( 2 ) إشارة إلى ضربة ابن ملجم التي شجت رأس الإمام علي ( ع ) وأدت إلى استشهاده فيما بعد .