تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
هؤلاء لو أُعطوا الكرة الأرضية بأسرها ، فسيشبع ذلك نهمهم ، بل إن هذه الأرض ومن عليها لو أعطيت لأحدهم ما أشبعته ، ولفكر وسعى جاهداً لاكتشاف الكواكب الأخرى وتسخيرها لصالحه . فهاهم الآن رفعوا رايتهم على سطح القمر وغداً لا ندري أين سيرفعونها ، فالإنسان يختلف عن سائر الحيوانات من ناحية طموحاته الحيوانية ، فالحيوان الجائع عندما يملأ بطنه ويشبع يقعد عن أي عمل ، ما لم يشعر بالجوع ثانية . فإن أفعاله على قدر حاجاته . أما الإنسان فليس كذلك . فلنعمل عملًا يقربنا من طريق الحق والصواب ، كي تطمئن قلوبنا ويزول الخوف عنها ، فلم يكن الأنبياء ( ع ) يكترثون بما يصدر عن بعض الجهال من إهانات أو إنتهاكات تستهدف شخصهم ، وذلك لأن هدفهم وقصدهم كان شيئاً آخر ، والقضية كانت قضية أخرى ، فما كانوا ييأسون ، ولا يَفْتُرون ولا يشكون ، بل كان هاجسهم الوحيد أن يردّوا من ضل عن إنسانيته ، وتنكّر لفطرته ، أن يردوه إليها ، فقد بلغ اهتمام نبينا الأكرم وتألمه على قومه والضلال الذي هم فيه ، حداً خاطبه معه الوحي الإلهي قائلًا : ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ) « 1 » . فقد كان الهدف أن يصنع من هؤلاء أناساً حقيقيين ، وكل من كان يهتدي إلى إنسانيته وآدميته كان بمثابة البشارة لنبينا الأكرم وللأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - وأمّا مسائل فتح البلدان والاستيلاء عليها ونهب أموالها لملأ خزائن الدولة وما شاكلها من الأمور المتداولة بين الطواغيت ، فلم تكن مطروحة أصلًا عند الأنبياء . فعالم المادة ليس هو هدفهم في الأصل . إنما جاؤوا ليأخذوا بيد هؤلاء الماديين ، وتلك الموجودات المادية ويسيروا بها نحو تلك العوالم الأخرى ، وذلك العالم الذي لا يمكن لذهني وذهنك أن يتخيله . خروج الأمة من الظلمات إلى النور إن هذا التحول العظيم الذي يشهده مجتمعنا اليوم ، هذا التحول الإعجازي والذي كأنه طوى مسير مئة سنة في ليلة واحدة ، هذا التحول من الذي أوجده ؟ فهذا التحول العظيم لا يمكن لأستاذٍ أو عارفٍ أو أي شخص إلهي أن يوجده . ربما يستطيع ذلك الأستاذ أو العارف وبعد أربعين أو خمسين سنة من الجد والتعب أن يربي عشرة أو خمسة عشر شخصاً ، ولكن أن تخرج أمة بأسرها تنوف على الثلاثين مليوناً من
هامش
( 1 ) ( 1 ) سورة الكهف ، الآية 6 .
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 226 | السيد الخميني