الظلمات التي هي " بعضها فوق بعض " « 1 » ، لتدخل عالم النور والأنوار اللامتناهية ، فإن هذا الأمر غير ممكن لا لعارف ولا لأستاذ ، بل يحتاج إلى عناية إلهية خاصة . إن هذا التغير الكبير الذي طرأ على نفوس الأمة ، والذي تجلى على هيئة الرفض لنظام الطاغوت ، والهتاف عالياً للإسلام وللجمهورية الإسلامية ، ان هذا التوجه الجديد والجاد للأمة نحو الإسلام وخطوها نحو الله هذه الخطوة ، جعل الألطاف الإلهية ورعاية الباري تعالى تشملها لتنعم بهذه الروحية والنورانية التي هي فيها . إنها العناية الإلهية وحدها ، التي تدفع بشابٍ لأن يترك ما يستلذ به طبعه الشبابي ويُقبل على ساحات الحرب بين الكفر والإسلام ، وبأي شغفٍ وحماسة ، فهو ليس كالآخرين من المجندين الذين لا يعرفون سوى لغة الأمر والنهي والوعد والوعيد حتى يمتثلوا للأوامر .
إنني لأخجل من نفسي عندما أشاهد في التلفاز مجموعات من النسوة في بعض الأماكن - والحمد للّه أن كل البلاد كذلك - وقد جلسن مشغولاتٍ وبكل جدّ ونشاط في أعمال الطبخ والخبز والتعليب لإعداد الزاد والمؤونة للمجاهدين في جبهات القتال .
فمن نحن ؟ ومن هن ؟ وأين نحن منهن ؟
إنها الأمة بأسرها ، بمختلف فئاتها ، برجالها ونسائها . بكبارها وصغارها ، بشيبها وشبابها ، نهضت لتدافع عن إسلامها ، عن وطنها ، عن عزتها وكرامتها ، وكلٌ حسب استطاعته . فقد رأيتم كيف ان بعض كبار السن - وقد جاء بعضهم إليَّ هنا - جاؤوا يرجوننا أن نسمح لهم بالذهاب إلى الجبهات ، وعندما كنا نرد عليهم بأن الأمر صعب وفيه مشقة عليكم ولا تستطيعونه كان جوابهم ومع أن البعض منهم لا يستطيع المشي ، كلا ، نحن قادرون على ذلك ، فقط أرسلونا لتروا بأنفسكم كيف نقدر على ذلك .
كذلك الأمر بالنسبة للصغار ، فإنهم يحملون نفس العقائد والأفكار ولديهم شغفٌ بفعل ما يعمله الكبار ، من تدريب على السلاح وتعلم الأمور العسكرية ، والذهاب إلى جبهات القتال .
إنه لمن عنايات الله ولطفه بنا ، هذا التحول والتبدل الرائع الذي تشهده أمتنا وبلادنا ، وما دامت هذه العناية الإلهية تظلل أمتنا وبلادنا ، فلن نهزم ، ولن يخيفنا أيّ شيءٍ .
فلو كان تفكيرنا مجرد تفكير مادي ، وقصرنا نظرنا على هذا العالم المادي فقط ، بحيث لا نبصر غيره من العوالم ، لكان فقد الواحد منا يعني العزاء والحزن الطويل ، ولكن عندما نتحول إلى موجود إسلامي يسعى ويناضل من أجل خير البشرية وسعادتها ، فسنبذل كل ما بوسعنا ونضحي بأعز شيء عندنا دون أن يكون للهزيمة معنى عندنا .
هامش
( 1 ) ( 1 ) سورة النور ، الآية 40 .