تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
الراحة ولو تأملنا حياته في المدينة لوجدنا أنه أمضى فيها عشر سنوات من الانشغال التام بالحروب والغزوات والتأسيس للحكومة الإسلامية الفتية ، والتي كان جميع ثقل مسؤولياتها على عاتقه وحده ، فحياته في المدينة لم تكن أحسن حالا من حياته في مكة من حيث التعب والجهد والمشقة ، ولكن الذي هوّن كلّ هذا في عينيه وجعله لا يقيم لكل هذه المشاق وزناً ، هو أن الله كان من وراء القصد في كل خطوة خطاها ، وكل حركة قام بها . ولهذا عندما طلب منه زعماء مكة أن يتخلى عن دعوته هذه على أن يكون له ما يشاء من المال والجاه والسلطان رفض قائلًا : « والله لو وضعتم الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته » . لأن هذه الدعوة ، دعوة إلهية ومسؤولية ومهمة إلهية ، وليس القصد من ورائها المال والجاه والمقام والمنصب ، فعلى قدر سمو وعلو القصد والهدف تهون الصعاب والمشاق التي تعترض الطريق إليه في عين الإنسان ، ومن جهة أخرى ، فإنك تجد أفراداً قد أخرجوا أنفسهم من دائرة الإنسانية والفطرة ، وتنزّلوا إلى مستوى البهيمية رغم صورهم البشرية وتحولوا إلى سباع وشياطين في صورة إنسان ، فهؤلاء أيضاً لديهم مقاصدهم وأهدافهم التي يسعون في سبيلها ، ولكن شتان ما بين هذين السبيلين ، وشتان ما بين هذه الأهداف وتلك ، فهؤلاء يسعون لتحقيق مآربهم الحيوانية ، الشيطانية ، وأولئك يسعون في سبيل أهداف ومقاصد إلهية . فالأنبياء والرسُل ، إنما بُعثوا بهذه الرسالات والتعاليم والأحكام والأخلاق ، ليحافظوا على إنسانية الإنسان ، وليردوا من ضل وتاه وابتعد عن إنسانيته وفطرته إليها ، فيحافظوا بذلك على إنسانية المجتمع كل المجتمع ، من أن يسقط إلى مستوى البهيمية والطاغوتية والشيطانية . فهم مكلفون من قبل الباري تعالى بأن يحافظوا على إنسانية الأمم والشعوب والمجتمعات ، عبر الرسالات والتعاليم التي يحملونها ، وهذا كان دأبهم منذ بدء الخليقة ولم يتغير . الصراط المستقيم ، معيارٌ للنصر والهزيمة إن الجهود التي بذلها الأنبياء والرسل ( ع ) ، وجميع الكتب السماوية التي أنزلت عليهم وما تحويه من تعاليم وأحكام وإرشادات ، تهدف إلى هداية الإنسان ودعوته إلى الصراط المستقيم ، لتصنع منه موجوداً إلهياً ، إنساناً إلهياً ، لأن هذا الموجود لو ترك ونفسه دون هداية أو إرشاد سيتحول إلى موجودٍ أضل من الحيوان ، وأكثر شيطنة من الشيطان . ولكن وعلى رغم حرص الأنبياء الشديد ، في هداية مجتمعاتهم ، إلا أن الكثير من الناس أبوا إلا عتواً ونفوراً وإصراراً على الكفر والضلال والخروج عن دائرة الإنسانية .