كان يرسِلُهم إلى أرجاء البلاد المترامية الأطراف جدّاً الضامّة للحجاز ومصر وإيران والعراق وسورية وطرفاً من أوروبا ، وكل هذه كانت تحت السيطرة ، نجده حين يرسل أحداً حاكماً يوصيه كيف يعامل الناس ويسير فيهم ، ونرى معاملة الناس لهؤلاء أيضا . وكل هذا مسطور في التاريخ . وحياة أمير المؤمنين يعرفها الجميع لا يستطيع إنسان ما أن يحياها ، حتى إنهم كانوا يقولون له : إذا كانت هذه حياتكَ ، فما هذه القوة التي بين يديك ؟ وفي أحد المواقف يقول : إنّ الأشجار التي تنبت في الصحراء أصلب خشباً ، وأقوى ناراً ، لأنها تنال قليلًا من الماء . وليس كل من يأكل كثيراً ، ويتناول الدسم ، ويلتهم الحلوى يكون قويّاً ، بل لعلّ كثيراً من هذه الأغذية وغير المعتادة منها خاصة تجلب للإنسان الضعف والكسل وأمثالهما . على كل حال حين ينظر الإنسان في حياة أمير المؤمنين - عليه السلام - يجد عجباً ، فما لديه - على ما ينقلون - سوى جلدٍ يفرشه ليلًا له ولفاطمة - سلام الله عليهما - وينامان عليه ، ويضع عليه علف الجمال نهاراً . وفي الغذاء لا يستطيع أحد أن يعيش على ما عاشه - عليه السلام - من شظف العيش ، حتى إنّه كان يقول : إنكم لا تستطيعون ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد . هكذا كانت الحكومة والحاكم في خضوع للقانون ، فرئيس الشعب الواسع الرئاسة القائد لجيش عظيم القدرة كان خاضعاً للقانون خضوعاً فريداً ، حتى أنّ قاضِيَه الذي نصبه هو دعاه يوماً لمقاضاة يهوديّ ادّعى عليه أنه أخذ درعه ، وحين حضر - على ما ينقلون - وناداه القاضي بقوله : يا أبا الحسن اعترض عليه ، وقال له : يجب أن تسوّي بيني وبينه في الخطاب . فيجب أن يساوي القاضي بين المتخاصمين ، فلا تكنني وتُسَمٍّيه ، بل سَمِّني مثلما تسمِّيه ، وقل : يا علي . وحينما قضى عليه القاضي سلَّم بقضائه راضياً ، غير أنّ اليهوديّ أيقظَهُ خضوع الأمير للقضاء ، فأسلم ، هذا هو الإٍسلام . هذا هو وضع معاشرته للناس وطبيعة حياته وعدالته ، وعطفه على فقرائهم معروف ، وفي التاريخ أنّ اسراً كثيرة لم تكن تعرف من كان يأتيها بما تحتاج إليه . كان يمرّ من مكان فيه صِبيَة يبكون ، فطرق عليهم الباب ، وأطعمهم ، ولاطفهم وآنسهم ، ثم أسمعهم مثل رغاء البعير إضحاكاً لهم ، قال : حين وردت كان هؤلاء الصبية يبكون ، واحبُّ إذ أخرُج الآن أن أراهم يضحكون . هذا حاكم تمتدّ حكومته من الحجاز إلى مصر ، وإلى إيران وإفريقية وغيرها كثير . حسناً ، طبعاً لا أحد يستطيع أن يسير هذه السيرة ، لا أحد يستطيع .
الاعتبار بعاقبة الأنظمة المستبدّة
لكن ، لا ترى الحكومات نفسها منفصلة عن الناس . لا يكن الرؤساء هكذا ، فيمضي كل منهم يبسط سلطانه أينما كان رئيساً ، ويظهر رئاسته ، ويرى الناس دونه ، ويعاملهم بقوّة لا تلين . فهذه تكون أسباباً لأن ينفصل عنه الناس ، فلا يدفعون الضرائب ، ويفرّون من دفعها ، فلهم دفتران : وسُئلتُ تكراراً أنّ لنا دفترين في عهد الطاغوت - طيب الآن هؤلاء الذين قالوا : لديهم دفتران - أحدهما كنا نظهره للمأمورين ، وهو غير ذاك الخَفِيّ ، فما نفعل الآن ؟ قلنا : لا ،
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 186
مساهمون: السيد الخميني
ص١٨٦