وأكثر من ذلك ، يقولون : إن الأقوياء هم الذين أوجدوا الأديان أساساً كي تدعو الجماهير إلى عدم مواجهة الأقوياء والتزام الصمت وعدم الاحتجاج على ما ينزلونه بهم من أذى ، وبالتالي كي يتمكن الأقوياء من استغلال واستعباد الضعفاء والفقراء .
ولكن لننظر هل يصدق هذا القول على الحروب التي خاضها الرسول الأعظم - فقد تكون ثمة أقوال بلا نقاش ويتحدث عنها القرآن ، وهل كان يسعى لتخدير الضعفاء والفقراء ! وهل تحالف ( صلى الله عليه وآله ) مع الأقوياء وهاجم الضعفاء أم على العكس ؟
إن كل من يطلع على تاريخ الاسلام يلحظ أن طائفة من الفقراء الذين لم يكن لهم أي مأوى التفوا حول النبي وكانوا يقيمون في صفة المسجد حتى سموا ( أصحاب الصفة ) وكانوا ، كما هو مدون في التأريخ ، يتقاسمون التمرة الواحدة بينهم في بعض الحروب فهي كل مؤونتهم . . إذن فالذين إلتفوا حول الرسول الأكرم هم الفقراء والمعدمون والمساكين ، وهؤلاء هم الذين فتحوا الحجاز - في عهد الرسول - بفضل تعاليم القرآن الكريم .
ولم يستطع الرسول الأكرم البقاء في مكة فتركها مهاجراً إلى المدينة بعد أن أقام علاقات مع أهلها لأنه لم يعد يستطيع انجاز شيء في مكة ؛ والذين تجمعوا حوله كانوا الفقراء وليسوا الأغنياء . فكيف تحالف مع الأغنياء لاسكات الفقراء ؟ !
حروب الرسول ضد الطغاة
إن جميع الحروب التي خاضها كانت ضد مشركي العرب وكانوا طغاة وأقوياء ومحاربين ، لكن تعاليم الإسلام والقوة المعنوية التي وهبها لتلك المجموعة القليلة من المسلمين وتربيته الخاصة لهم ، جعلت أحدهم يقتل مائة . ذلك إن تعاليم الإسلام تصنع الإنسان الذي لا يرهب شيئاً في مواجهة القوى الطاغوتية ، ويجعل ثلاثين منهم يعلنون استعدادهم لمواجهة ستين ألفاً هم طليعة جيش الروم ، - وهذا الموقف شهده العصر الإسلامي بعد العهد النبوي - ، ولما أثيرت الشكوك حول هذا التعداد القليل على إلحاق الهزيمة بستين ألفاً ، ذهب ستون شخصاً أغاروا ليلًا على أولئك الستين ألفاً من الروم وقاتلهم وهزمهم . وكان هؤلاء من الفقراء .
كما ينبغي أن نلاحظ هل أن القرآن - وهو مصدر الإسلام الأول - والإسلام وبنصوصه الأصلية التي لم تمسها أيدي التحريف ؛ هل كان يدعو الناس إلى الخضوع للأغنياء والسكوت على ما يرتكبه أصحاب النفوذ والأقوياء من سرقات وتجاوز على ثرواتهم ، وهل كان يمنيهم بالجنة ثمناً لهذا السكوت .
أم أن القرآن فتح الحجاز وهزم الطواغيت بهؤلاء المعدمين والفقراء الذين لم يكن لكثير منهم مأوى فيضطرون للمبيت في صفة المسجد متقاربين فيما بينهم ولم يكن لديهم ما
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 220
مساهمون: السيد الخميني
ص٢٢٠