نسبوا هذا إلى حضرة عيسى ( عليه السلام ) وعيسى ( عليه السلام ) نبي ، والنبي لا يمكن أن يكون منطقه هكذا . أنتم رأيتم الأنبياء ، إلّا أن حضرة عيسى ( عليه السلام ) عاش قليلًا بين الشعب ، ثم رفع بالمعراج إلى السماء .
أنتم كلّكم تعلمون تاريخ الأنبياء ، فحضرة إبراهيم ( عليه السلام ) الذي هو أبو الأنبياء العظام - عليهم السلام - قام بفأسه وحطّم تلك الأصنام كلها ، ولم يَخَفْ قط من الإلقاء في النار ، لم يخشَ هذا الكلام ، ولو كان لديه خوف لما كان نبياً .
هذا منطق ذلك الإنسان الذي حارب القوى الكبرى في زمانه ، ووقف وحده إزاء تلك القوى التي سعت لاحراقه فيما بعد ، لم يكن منطقه أنه إذا صفعوك على هذا الجانب أدرْ لهم الجانب الثاني . هذا منطق الكسالى الذين لا يعرفون الله .
هؤلاء لم يقرأوا القرآن ، فهذا موسى ( عليه السلام ) كان امرءاً واحداً راعياً ، وقف بعصاه مقابل مَن ؟ مقابل فرعون الذي كان يدّعي الألوهية . هؤلاء أيضاً يريدون ادّعاء الألوهية ، يرون أنه ليس هناك من يعبأ بهم ، ولو تراخيتم قليلًا لقال هؤلاء ايضاً ( أنا ربكم الأعلى ) .
إن هذه الأكاذيب كانت في العالم ، وها هي الآن فيه أيضاً ، وسوف تبقى إلى ما بعد ، فذلك موسى ( عليه السلام ) وذلك أيضاً الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) الذي تعرفون تاريخه جيداً بعث وحيداً ، وخطط ثلاث عشرة سنة ، وحارب عشر سنوات ، لم يقل : ( ما نحن والسياسة ؟ ) . أدار بلداناً ، ولم يقل : ( ما علاقتنا بالسياسة ؟ ) وتلك أيضاً حكومة أمير المؤمنين ، وكلكم تعرفون وضع حكومته ووضع سياسته ووضع حروبه ، لم يقل : ( علينا أن نجلس في بيوتنا نقرأ الدعاء ونزور ، فلا علاقة لنا بهذه الأمور ) .
أحد العلماء كان يقول : ( لو أن حضرة صاحب الزمان - سلام الله عليه - رأى الأمر يقتضي المبادرة ، لجاء بنفسه ) . رحمه الله ، كان يقول : ( قلبي لا يحترق على الإسلام أكثر من صاحب الزمان - سلام الله عليه - وهو يرى كل شيء ، فليأت هو بنفسه ، فلماذا أقوم أنا بذلك ) ؟
هذا منطق الذين يريدون التنصل من عبء المسؤولية ، والإسلام لا يقبل هؤلاء ، ولا يقيم لهم اعتباراً ، فقد غلبهم التنصّل من المسؤولية ، فراحوا يقومون بعمل ما ، يبحثون عن روايتين من هنا وهناك ، فيتوصّلون إلى نتيجة مؤدّاها ضرورة التنسيق مع السلاطين مثلًا ، والدعاء للسلاطين .
وهذا خلاف للقرآن ، هؤلاء لم يقرأوا القرآن ، ولو جاءت مائة رواية تشير إلى هذا المعنى ضربنا بها عرض الجدار ، فهي خلاف القرآن ، خلاف سيرة الأنبياء ، مع أنه ليست هناك رواية تقول بهذا .
لاحظوا أنتم كل تلك الروايات التي تشير إلى أن مَنْ أحب سلطاناً حُشِرَ معه ، هل يمكن أن يرغب المسلم في أن يحيي الله أحد الظلمة القاتلين ؟ هل يمكن أن تكون لديه محبّة لمن يقتل إنساناً ، يقتل عالماً ، يقتل العلماء ؟ كم لدينا الآن من العلماء الكبار والمدرسين العظام يرزحون في السجون وفي المنفى ؟ هل تعلمون كم من العلماء يرزحون الآن في السجون ، وكم من هؤلاء العلماء في المنفى ؟
وبرغم ذلك عاد هؤلاء الذين نُفوا سابقاً ، وشدّوا قبضاتهم في وجه الحكومة والشاه ، فوقعوا في مشكلة مرة ثانية ، فهذا الأخ الشاب المحترم الذي تكلّم أمس في مراسم الفاتحة كان معتقلًا ومنفياً ، وأظن - ظنَّاً يفوق الظن - أنه اعتقل مرَّة أخرى ، أو أنه سيعتقل غداً ، لقد جاء من السجن توّاً وشدّ
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 300
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٠٠