تتجلَّى له في الموضوع الذي يراه هو ، ولا وجود لسواه ، قضية ( موسى والخضر ) ظاهرها « 1 » هذا المعنى الذي ذكر مثلًا .
والإنسان اساساً حينما ينصب جهده على علم من العلوم ، ويوجِّه اهتمامه نحوه ، فان اهتمامه سينحصر به ، والقلب بطبيعته هكذا ، فحينما يتوجه نحو العرفان يصبح كله عبارة عن ( عرفان ) ولا يثير اهتمامه بعدئذ وجود دنيا أو وجود منهج تربوي ، فهو يرى العبادات بشكل آخر ، والدعاء كذلك بصورة أخرى ، أجل ، يفسّر الأمور كلّها بالمعنى الذي لا يرى غيره ، ولذا لا يدرك الأمور التي لا تنسجم مع توجّهه ، ويفسّر جميع الأمور بالمعنى المسلّم به عنده .
من جهة ثانية فإن أولئك الذين تمسكوا بالاتجاه الآخر ، وأضحى الواحد منهم لا يدرك سوى عالم المادة هذا ، هم ذوو إدراك ناقص لا يفهمون حقيقة الأمر ، إدراكهم ناقص ، وهم ليسوا أصحاب برهان أو استدلال بحيث يمكنهم إثبات مدعاهم ، انهم ذوو بيان ، ذوو بيان جميل ، أدباء ، وهم لا يتعقلون بوجود ما وراء هذا العالم ، لذا يُؤوّلون الآيات بآرائهم ، ويفسرونها بهذه الحياة الحيوانية ، وينادون بجعل الحياة بلا طبقية ، بجعلها مرفهة يعيش فيها الجميع سواسية وما شابه ذلك ، إذا أمكن ذلك أساساً .
لابد من القول : إن الإسلام ( بدأ غريباً ) « 2 » وغير مرغوب فيه ، واليوم أيضاً عاد الإسلام غريباً ، والإسلام كان غريباً منذ بدء ظهوره حتى الآن ، وما من أحد يعرف الإسلام كما ينبغي .
ذلك ( العارف ) عالم بالإسلام بتلك المعاني العرفانية والغيبية ، وذلك ( المتديّن ) الذي ظهر بعد ذلك ، وكتب في المجلّات كذا ، يرى الإسلام عبارة عن معرفة حكومته وما ينبغي أن تكون عليه ، وكيف تكون تربيتها ، وما يجب أن يكون عليه ظاهرها ، وما ينبغي وجوده من العدالة .
ويكفي أن يصل الإنسان لتحقيق تلك الحياة المادية الطبيعية بتلك الشروط ، فيكون الإسلام قد حقق أهدافه ، فأقصى غاية الإسلام هي هذه الحياة الحيوانية المرفّهة التي يعيش فيها البشر كسائر الحيوانات التي ترعى في المراعي ، لا يزاحم أحدها الآخر ، وتعلف جميعها على السواء .
فالبشر هم كذلك ، يقولون : ( ان بني الإنسان القديم كانوا جميعاً يأكلون السمك ، يصطادون السمك من البحار ، ويأكلونه دون أن يزاحم أحد أحداً ، ويصطادون الغزلان والحيوانات الأخرى من الصحاري ، ويأكلون على السواء دون أن يضيق أحدهم بالآخر ، وهذه هي المرتبة الراقية التي كان الإسلام وما زال يسعى لبلوغها .
فالاسلام وسائر الأديان السماوية جاءت ، لكي تعيد البشر إلى تلك الحياة الحيوانية المرفهة .
كل ما هنالك أنهم كانوا سابقاً يصطادون السمك ويعيشون ، الآن سيعيشون بالسمك والدجاج حياةً مرفّهة يصلح الانسان فيها أمر لباسه ومأكله وحسب ) اما ما عدا ذلك من المعارف الإلهية وما وراء هذا العالم وما وراء الطبيعة ، فلا يستطيعون أن يتعقلوه ، فماذا يفعلون حين لا يستطيعون إدراكه ؟
عليه ، أقول : أيها السادة المحترمون المشتغلون بتحصيل العلوم ليس لأولئك الحق أن يقولوا لكم .
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآيات 60 - 82 .
( 2 ) إشارة إلى الحديث النبوي ( ان الإسلام بدأ غريباً ، ويعود غريباً ، كما يبدو ، فطوبى للغرباء ) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 398 .