تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
فلدى الإسلام أحكام لحياة الإنسان من قبل ولادته وزواج والديه ، ومروراً بالحمل به حتّى الولادة والتربية في الطفولة والصبا والبلوغ والشباب والشيخوخة ، بل تتبع الإنسان إلى القبر وما بعد القبر . فوضع الإنسان في رمسه لا ينهي الأمر ، بل ذلك أول الأمر ، فجميع هذه الحياة البشرية هنا . وكل ما يتعلّق بتربية الإنسان ، وجعله عقلانياً وأخلاقياً وغيرهما إلى أن ينفصل عن هذا العالم ويبلغ مرتبة الكمال ومرتبة التجرد - المرتبة الأصلية - ثم بعد تسليمه إلى القبر وبدء حياته الروحانية حياة القبر ، الحياة الروحية والمعنوية والبرزخية ، وما هو أرقى من الحياة الروحية والبرزخية ، وكل هذه من اختصاص الإسلام . فالإسلام وأحكامه التي بعث الله - تعالى - بها الأنبياء والرسل لا تقتصر على هذا العالم فقط ، ولا بالعالم الآخر فقط . مرت علينا عصور كثيرة كان فيها الفلاسفة والعرفاء والمتكلّمون وأمثالهم في طلب المقاصد المعنوية ، وقد تمسكوا دوماً بتلك المعنويات ( كل حسب طاقة إدراكه ) وخطّأوا السطحيّين إذ عدّوا كل من سواهم سطحيّاً وخطأووه . وحينما تعرّضوا لتفسير القرآن ، فسّروا أغلب الآيات بالمعاني العرفانية والفلسفية ، وغفلوا كلياً عن الحياة الدنيا ، وما هو مطلوب لها ، وعن التربية الواجب تحقيقها فيها . غفلوا عن ذلك ، وتمكسّوا بتلك المعاني التي تفوق إدراك العامة - كل حسب مذهبه - وعلاوة على طرح تلك التفاسير خطأووا كل من سواهم . وفى عصرهم نفسه كانت هناك طائفة أخرى من العلماء ممن توجهوا نحو الاهتمام بالمسائل الفقهية والتعبدية ، أولئك أيضاً قاموا بدورهم بتخطئة هؤلاء ، فوصموهم بالالحاد أو الكفر أو عملوا معهم ما عملوا وخطأووهم ، والحال أن الجميع يجانب الواقع . فالفقهاء حصروا الإسلام بالأحكام الفرعية ، والفلاسفة والعرفاء حصروا الإسلام بالجوانب المعنوية وما وراء الطبيعة ، إذ كانوا يعتقدون أن ما وراء الطبيعة هو الشامل لكل الجوانب ، في حين أن أولئك رأوا أن الإسلام جملة من الأحكام للدنيا ، وأنه مجموعة من الأحكام الفقهية ، ولا معنى لكل ما عدا ذلك . ظهرت بعد ذلك مجموعة من الكتّاب المتدينين والفضلاء العاملين - كأولئك الفقهاء العاملين - فالمتكلمون والفلاسفة كانوا عاملين أيضاً ، وسعوا إلى خدمة الدين ، وتوضيح أحكامه - كل حسب فهمه - وعلى أية حال ، ظهرت مجموعة من الكتّاب ذوي الأقلام الجيدة ، هؤلاء فسروا الآيات القرآنية على خلاف ما فسّرها العرفاء والفلاسفة من الأمور المعنوية ، فسّروها بالماديات . أولئك كانوا يقولون : إن الإسلام جاء أساساً لتعليم الناس التوحيد وسائر المسائل العقلية الإلهية ، وباقي الأمور إنما هي مقدّمة لذلك ، لذا ينبغي تركها ، والسعي نحو تحقيق الغايات لذا لم يكترثوا - طبعاً بعضهم لا جميعاً - بالفقه والفقهاء ، ولا بالأخبار أو ظواهر القرآن أو الكثير من الأحكام الموجودة في القرآن . طبعاً لم يردّوها ، إلا أن تعرّفهم كان كالرد لها تماماً ، فعدم الاكتراث بها ، والحياد عنها كان معناه هذا .