الحقيقة أنّ من يعرف الإسلام ، ويدرك حقيقته لا يعطي أولئك الحق أن يقولوا : إن اللحى والعمامة أصبحت عديمة الفائدة ، وإن هذا النمط من التحصيل لا ينفع ( يقولون هذا لجهلهم بالاسلام ) كما لا يعطيكم الحق أن تقولوا أنتم عن معاني المعرفة والمعارف الإلهية : ما هذه العلوم ؟
( إذا قلتم شيئاً كهذا ، فهذا يعني أنتم أيضاً مثلهم ) كما أنّه ليس لكلا الفريقين الحق فيما يقول ، فأنتم تستطعيون تسفيه منطقهم في رفع الظلم وبسط العدالة ، كما أنهم سيخطئون كلّ شيء .
إن الاسلام ليس محصوراً في هذه الأمور ، الإسلام يبني إنساناً ساعياً للعدالة وناشراً لها ، إنساناً يتحلى بأخلاق كريمة ، ويحمل معارف الهية تؤهّله أن ينسجم مع واقع الحياة في العالم الآخر بعد رحيله من هذا العالم ، فهو آنذاك يكون قد أصبح آدمياً بحق . هؤلاء الذين يرون جانباً واحداً من الإسلام دون غيره ناقصون ( اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) .
يروى - ولست بصدد تصحيح الرواية ، أو ردّها - أن من المفسرين من يقولون : إنّ ( المغضوب عليهم ) هم ( اليهود ) و ( الضالين ) هم النصارى . وهناك رواية أخرى - ولا أستطيع تأكيدها ، ولكنّي أنقلها عمّن نقلوها - أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : ( كان أخي موسى عينه اليمنى عمياء وأخي عيسى عينه اليسرى عمياء ، وأنا ذو عينين ) « 1 » .
ويقول هؤلاء المفسرون : إنّ ذلك لأن ( التوراة ) اهتمت بالماديات والأمور السياسية والدنيوية أكثر ، وترون كيف تكالب اليهود ، يأكلون الدنيا بكلتا يديهم ، وما زالوا غير مكتفين ، إنَّهم يأكلون أميركا ، ويأكلون إيران الآن أيضاً ، وهم غير قانعين ، يبتعلون كل مكان بأكمله .
وفي كتاب حضرة عيسى كان التوجّه نحو المعنويات والروحانية أكثر ، ( فالعين اليسرى ) التي تعبر عن الجانب الطبيعي كانت ( عمياء ) ( ولا أستطيع تأكيد صدور الرواية عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) لكنّي أنقلها كما نُقِلَت أي : لم يكن متوجّهاً إلى جهة ( اليسار ) التي تشير إلى الطبيعة أو أنه كان قليل التوجّه نحوها . والتوراة حسب طبيعتها كان توجهها للماديات أكثر .
و ( أنا ذو عينين ) أي : متوجّه نحو المعنويات والماديات معاً ، وترون كيف أن أحكام الإسلام تشهد على ذلك ، ترون أحكامه وسياساته . يتصور الكثيرون ، من الناس ومن أهل العلم ، والقشريين المقدّسين أن لا ربط للإسلام بالسياسة ، وان الإسلام والسياسة مفصولان أحدهما عن الآخر ، وهو الأمر الذي لا تسمح الحكومات بحدوثه ، والذي أوحى به الينا هؤلاء الأجانب ، وتلك الحكومات منذ أمد ، فهم يقولون : ( ما علاقة الإسلام أو المعمم بالسياسة ) كان البعض إذا أراد أن يعيب على أحد المعمّمين يقول : ( معمم سياسي ) .
يقولون : ( الإسلام بعيد عن السياسة والدين على حدة ، والسياسة على حدة ) . هؤلاء لم يعرفوا الإسلام الذي تشكّلت حكومته في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واستمرت في البقاء بعد ذلك
هامش
( 1 ) ( كان أخي موسى كريم العين اليمنى ، وأخي عيسى كريم العين اليسرى ، وأنا ذو العينين ) منسوب إلى النبي ( ص ) وقد نقل الامام الخميني في كتاب ( سر الصلاة ) ص 92 هذه الرواية ، وكتب في تفسيرها ( كان جناب موسى ( ع ) لديه كثرة الغلبة على الوحدة ، وجناب عيسى ( ع ) كان الوحدة غالبة على الكثرة ، وكان الرسول الخاتم ( ص ) في مقام البرزخية الكبرى ، وهي الحد الأوسط والصراط المستقيم ) .