تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
بها الإنسان وهي : التعقل ، والجوانب المعنوية والتجرّد الذاتي . وليس للحيوان مرتبة التعقّل والتجرّد . ثانياً : أنّ القرآن الكريم الذي يتصدر الكتب السماوية التي جاءت في الحقيقة - كالقرآن الكريم - لبناء هذا الإنسان ، وتحويله من إنسان بالقوة إلى إنسان بالفعل ، وموجود بالفعل ، والأنبياء بدعوتهم بعثوا لتحقيق هذا الغرض - حسب اختلاف مراتبهم طبعاً - وهو تحويل الإنسان إلى إنسان حقيقي من ( القوة ) إلى ( الفعل ) فجميع العلوم والعبادات والمعارف الإلهية والأحكام العبادية وكلّ ما هو موجود ، إنّما يراد بها تحقيق هذا الأمر ، ألا وهو تحويل الإنسان الناقص إلى إنسان كامل . فالقرآن الكريم اذاً ، كتاب لبناء الإنسان ، وإذا ارتبط به الإنسان ، وجده ضامناً لجميع المراتب الخاصّة بالإنسان ، فكلّها فيه ومنه . والإسلام وسائر الأديان الإلهية تختلف عن سائر الحكومات ، حكومة الإسلام ليست كسائر الحكومات ، فسائر الحكومات مادية مهما كان نظامها ، فهي تهتم بحفظ النظم في بلدانها ، وإذا كان في ظلها من يتوخّون العدالة ، ولا يظلمون أحداً ولا يعتدون عليه ، وإذا حكموا عدلوا ، ولم يتعدّوا على الآخرين ، فإنّهم لا يبتغون غيرّ حفظ النظم في بلادهم فقط . لذا كان لكلّ أحدً أن يفعل داخل منزله ما يشاء ، بشرط أن لا يضرّ الحكومة ، ولا يمس النظام . بإمكانه أن يشرب الخمر داخل منزله ، أو يلعب الميسر ، أو يرتكب ما أراد من القبائح ، فإنّ الحكومة لا تتعرّض له . أما إذا خرج معربداً ، فإنّ الحكومة تعترضه لما في ذلك من الإخلال بالنظام . أما ما يفعله داخل جدران منزله ، فليس من شأنهم سواء في ذلك الحكومة العادلة والجائرة ، إلّا إذا حصل اعتداء داخل المنزل ، وعرضت القضية على الحاكم ، حينها سيتصرفون . . والحال ان الإسلام والحكومات الإلهية ليست كذلك ، فهي تطرح حكهما في كل مكان ، وعلى كل أحد أينما كان ، وعلى أية حالة ، أي أنّه إذا أراد أحد القيام بعمل مناف أو فساد ما داخل منزله ، فإن الأحكام والحكومة الإسلامية تتبعه إلى هناك ، وإن كانت الحكومة لا تأتي للتفتيش إلا أنّ الامر بحد ذاته محرّم ، فهي تعطي حكماً بعدم القيام بذلك العمل ، وتحدّد العقاب لمن يرتكبه ، وإذا تم اكتشافه فإن لديها من الأساليب المختلفة من أنواع الحدود والردود التي تعتمد على الموازين الموجودة في الشريعة . الإسلام وسائر الحكومات والدعوات الإلهية تعتني بجميع شؤون الإنسان بدءاً من أدناها حتى أعلاها ، لا مثل الحكومات الأخرى التي تهتم فقط بساسة الملك ، فكما أن الإسلام ذو سياسة للبلاد ، وأغلب أحكامه أحكام سياسية هو ذو أحكام معنويّة ، فيه حقائق ومعنويات وأمور تبعث الإنسان على الرشد وتحكمه ، والأشياء الداخلة في تربية الإنسان محكومة بضوابط معنوية ، وفي درجة أدنى منها هي درجة الأخلاق ولها أحكام أخلاقية ، أقول : تعتني أحكام الإسلام بالرشد المعنوي للانسان ، وبتربية الإنسان روحياً في العشرة ، فالاسلام يحدد أحكام العلاقة بين المسلمين والآخرين ، للاسلام أحكام لعلاقة الإنسان مع نفسه ، وأحكام لعلاقة الإنسان مع زوجته ، ومع ولده وجيرانه ، ومحلته وأصحابه ، ولعلاقته مع مواطني بلده ، ولعلاقته مع من يعتنقون نفس ديانته ، ومن يعتنقون غير ديانته ، أحكام تشمل كل الحياة حتّى ما بعد الموت .
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 211 | السيد الخميني