- عادلة أو غير عادلة - حتى وصلت عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فعادت لتكون حكومة الإسلام العادلة . وكانت حكومته ذات سياسة من جميع الجوانب ، وإلا فما هي السياسة ؟ العلاقة بين الحاكم والشعب ، والعلاقة بين الحاكم وسائر الحكومات ، والقضاء على المفاسد الموجودة ، كل ذلك سياسة .
ولو تأملنا قليلًا ، لوجدنا أحكام الإسلام السياسية أكثر من أحكامه العبادية ، والكتب الموجودة في الإسلام عن السياسة أكثر منها عن العبادة . فذلك المفهوم الذي سعوا إلى زرعه في أذهاننا مفهوم خاطئ ، وإن كان بعض الإخوة المحترمين قد صدقوا بفصل الإسلام عن السياسة ، وأن الإسلام مجموعة من الأحكام العبادية تخص العلاقة بين الإنسان والله ، فاذهبوا أنتم إلى مسجدكم ، وادعوا الله ما طاب لكم ، واقرأوا القرآن أينما شئتم ، ولن نمسّكم بشيء .
هذا ليس إسلاماً ! الإسلام وقف بوجه الظلمة ، وأصدر أحكاماً بالقتال ، وحكم بالقتل على الكفّار والمعتدين ، وله أحكام على من هم هكذا . أفكل هذه الأحكام في الإسلام بالقتال والجهاد وكذا وكذا ، والإسلام بعيد عن السياسة ؟ ! والإسلام ليس سوى ارتياد المسجد وقراءة القرآن وأداء الصلاة ؟ ! ليس كذلك ، الإسلام لديه أحكام يجب تطبيقها .
لزوم التمسّك بالمعنويات
من جهة أخرى يريدون القول : لماذا تذهبون إلى المسجد ؟ ما معنى الصلاة أصلا ؟ وهذا خطأ أيضاً ، فالاسلام فيه الصلاة ( بني الإسلام . . . على الصلاة ) فهو ليس دنيا فقط وحياة حيوانية ، لكي تقول جنابك إذا تحقّقت الحياة المرفّهة ، فماذا أفعل بالصلاة ؟ ماذا أفعل بالدعاء ؟ إلا إذا كان القائل منكراً لما وراء هذا العالم ، فحينما لا يكون وراء الطبيعة شيء ، ينتفي البحث ، ولكن عندما يكون وراء هذا العالم عالم ، ويعضده البرهان وتجمع الأديان كلّها عليه ، فلابدّ من الاعتقاد به .
فمثلما نعامل عالم الطبيعة بأدواته وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس فيه ، وقيام الحكومة بتنظيم شؤون البشر ، ولا اعتراض على هذا الاعتقاد والعمل ، فإنّه لا محيص من الاعتقاد بعالم وراء هذا العالم أكّدته جميع الأديان والعمل به .
ولهذا العالم وسائل تعامُل خاصّة به ، وتلك الوسائل جاء بها الأنبياء ومنها الدعاء والذكر والقرآن والصلاة ، فالأحكام العبادية كلّها أدوات للحياة في ذلك الجانب ، والمعارف الإلهية فيض لأجل الحياة في ذلك العالم ، ولأجل نورانية ذلك العالم .
اذن لا يحق لهؤلاء الذين وقفوا إلى هذا الجانب - تخطئة أولئك الذين وقفوا إلى ذلك الجانب ، فذلك خطأ وضيق أفق . كما لا يحق لأولئك الذين وقفوا إلى ذلك الجانب أن يقولوا ، لهؤلاء الذين ينادون بوجوب تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس ، ووجوب الوقوف بوجه الظلم والتعدي ( لست على شيء ! ) . هل مسؤوليتنا نحن أن نعكف على الدرس ؟
مسؤولية جميع المسلمين هي الجمع بين العمل والعلم ، أي : أن يكونوا فعالين في معارضة الظلم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا ، ولو أن جميع الناس عملت بهذا التكليف ، لما تمكنت حكومة من الاعتداء على شعبها ، ولا تمكنت دولة من الاعتداء على دولة أخرى ، هذه الأمور تحدث الآن ، لأن الشعب لا يدعم الممسكين بزمام الأمور .
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 216
مساهمون: السيد الخميني
ص٢١٦