هذا وفي عدوله سبحانه عن إسناد الغضب إلى نفسه جلّ شأنه مع التصريح بإسناد عديله أعني : النعمة إليه عزّ سلطانه تشييد لمعالم العفو والرحمة ، وتأسيس لمباني الجود والكرم ، حتّى كأنّ الصادر عنه هو الإنعام لا غير ، وأنّ الغضب صادر عن غيره سبحانه ، وإلّا فالمناسب بعد قوله عزّ وعلا :
« صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ »
أن يقول غير الذين غضبت عليهم .
شرح
« لا » مزيدة لتأكيد ما في غير من معنى النفي .
قوله : تشييد لمعالم العفو والرحمة .
ومثله بل أحسن منه قوله عزّ اسمه« نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ »« 1 » وفي الخبر عن سيّد البشر صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : ليغفرنّ اللّه تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت قطّ على قلب أحد ، حتّى أنّ إبليس ليتطاول لها أن تصيبه « 2 » .
أقول : وكيف لا يكون كذلك ، وهو عزّ اسمه كتب على نفسه الرحمة ، وآية رحمته« رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »« 3 » وهو الجواد المطلق الذي لا يرحم لمنفعة تعود اليه ، ولا مضرّة يدفعها عنه ، وكلّ رحيم سواه فرحمته لغرض من الأغراض : إمّا ثناء دنيويّا ، أو أجرا أخرويا ، أو رقّة ناشئة من الجنسيّة ، أو نحو ذلك .
وممّا يناسب ايراده في المقام ما رواه بعضهم : انّه أوقف على صبيّ في بعض الغزوات ينادى عليه بمن تريد في يوم صائف شديد الحرّ ، فبصرت به امرأة وهو ينادى عليه ، فعادت مسرعة اليه وأخذته وألصقته إلى بطنها ، ثمّ ألقت ظهرها على البطحاء وأجلسته على بطنها تقيه الحرّ ، فتقول : ابني ابني ،
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 49 - 50 .
( 2 ) بحار الأنوار 7 : 287 .
( 3 ) سورة الأعراف : 156 .