واعلم أن نعمه سبحانه وإن جلّت عن أن يحيط بها نطاق الحصر ، كما قال جلّ شأنه :
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها »
« 1 » لكنّها ثمانية أنواع ، لأنها : إما دنيوية ، أو أخروية . وكلّ منهما إما موهبيّ ، أو كسبيّ ، وكلّ منهما إمّا روحانيّ ، أو جسماني . وهذا تفصيلها :
دنيويّ موهبيّ : إما روحاني ، كإفاضة العقل والفهم ، أو جسماني كخلق الأعضاء .
شرح
قوله : كافاضة العقل والفهم .
أجلّ نعمة أنعم اللّه بها على عباده هي نعمة العقل ، ونعني به ما من شأنه أن يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان ، ثمّ توفيقه لهم على تحليتهم أنفسهم بالأخلاق الزكيّة ، والتخلية عن الملكات الرديّة .
فانّها مستتبعة لجميع الخيرات الدنيويّة ، من فعل الطاعات وترك السيّئات وغيرهما والاخرويّة من الحور والقصور وغيرهما ممّا هو موجود في الجنّة من أنواع الملذّات ، فانّها كلّها تنشأ من تلك الأخلاق ، الّا أنّها لا يلزم آثارها الّا بعد المفارقة إلى الآخرة .
وذلك لأنّ الجنّة الصوريّة ، وهي الأبواب والجدران وما فيها من الأنهار والأشجار والحور والقصور وغيرها ، صورة الأخلاق الحميدة والأفعال الحسنة الناشئة منها ، والعلوم والآراء المطابقة للواقع .
كما أنّ النار الصوريّة وما فيها من العقارب والحيّات وغيرهما من أنواع المؤذيات ، صورة أضدادها من الأخلاق الذميمة والملكات الرديّة ، والعلم بالأشياء على خلاف ما هي عليه . وفوق كلّ ذلك هو المعارف الالهيّة ،
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 34 .