فخافوا وهربوا وتفرّقوا ، وبقي منهم واحد في مكانه ، فتقدّم إليه المأمون ، وقال له :
شرح
ذهاب المأمون وإيابه ، كان من مقتضيات سنّه الشريف ومن لوازم البشريّة ، فلا يدلّ على نقصه وجهله وميله إلى اللهو واللعب ، ولا ينافي عصمته وحكمته وفضيلته .
كيف ؟ وهو عليه السّلام كان يومئذ من أعقل العقلاء وأفضل الفضلاء ، كما يظهر من مكالمته ومجاوبته مع المأمون ومن اخباره بالغيب ، فانّ السمكة كانت في كفّ المأمون وهي مضمومة ، فكانت مستورة عن نظره الشريف عليه السّلام ، ولذا أراد المأمون امتحانه ، وقال له : قل أي شيء في يدي ؟
فأجاب عنه بما أجاب ، لأنّه كان مؤيّدا بروح القدس ، وكان اماما وحجّة اللّه على خلقه ، بل كان كذلك قبل ذلك بسنتين أو ثلاث سنين ، فانّه يظهر من مواليد الكافي وتواريخه أنّه عليه السّلام شرّف بمنصب الإمامة وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين ، وهو يوم المأمون كان ابن أحد عشر سنة أو عشر سنوات ، على ما سينقله الشيخ قدّس سرّه .
ولولا أنّ حبّ الخلافة والسلطنة أعمى بصيرة المأمون لكان من الواجب عليه وعلى من حضره من أصحابه وعساكره أن يقرّوا له عليه السّلام بالإمامة ، ويذعنوا له بالخلافة والرئاسة ، لما ظهر منه عليه السّلام من الاخبار بالغيب وهو في سنّه هذا ، فلو لا أنّه كان مؤيّدا من عند اللّه وموفّقا منه وحجّة على خلقه ، كيف كان يعلم ما في كفّه وهي مضمومة وما فيها مستورة عنه ، ثمّ كيف كان يعلم ما سببه وعلّته وهو لغموضه ودقّته قد خفي عن مثل المأمون ، مع فطانته وفضيلته المشهورتين ، حتّى تعجّب من ذلك لخفاء سببه عليه .
ومن الغريب بل أغرب منه أنّه استقرّ عند علماء عصره بأنّ علمه وعلم آبائه الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين لدنّيّ لا كسبيّ ، وهؤلاء الغفلة قد