البنيان يحتاج إلى تقدير في الطول والعرض ، وإلى إيجاد بوضع الأحجار والأخشاب على نهج خاصّ ، وإلى تزيين ونقش وتصوير ، فهذه أمور ثلاثة مرتّبة تصدر عنه جلّ شأنه في إيجاد الخلائق من كتم العدم ، فله سبحانه باعتبار كلّ منها اسم على ذلك الترتيب .
« يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
هذا التسبيح : إما بلسان الحال ، فإنّ كلّ ذرّة من الموجودات تنادي بلسان حالها على وجود صانع حكيم واجب الوجود لذاته ، وإمّا بلسان المقال ، وهو في ذوي العقول ظاهر ، وأما غيرهم من الحيوانات ، فذهب فرقة عظيمة إلى أنّ كلّ طائفة منها تسبّح ربّها
شرح
وفق التقدير ثانيا ، وإلى تصويره بعد الايجاد ثالثا ، وهذا كالبناء المحتاج إلى تقدير ما لا بدّ منه في وجوده من الخشب واللبن ومساحة الأرض ، وعدد الأبنية وطولها وعرضها ، وهذا يتولّاه المهندس ، ثمّ يحتاج إلى بنّاء يتولّى الأعمال التي عندها تحدث أصول الأبنية ، ثمّ إلى مزيّن ينقش ظاهره ويزيّن صورته . هذا في غير أفعاله تعالى ، وأمّا فيها فانّ ذاته بذاته هو الخالق والبارئ والمصوّر من حيث ترتيبه صور المصنوعات أحسن الترتيب المشاهد .
قوله تعالى :يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .أي : يسبّح له جميع الموجودات ، حاليّا كان التسبيح أم مقاليّا ، فهو من قبيل التعبير عن الشيء بأكثر أجزائه ، وفيه ردّ لما توهّمه الدهريّة وطائفة من الفلاسفة أنّ المؤثّر فيما عدا السماوات من الموجودات هو السماوات والأوضاع الفلكيّة ، لأنّه لو كان كذلك لكان التسبيح لها أولى من التسبيح له .
قوله : تسبّح ربّها بلغاتها وأصواتها .
ويؤيّد هذا المذهب كثير من الأخبار الواردة في طريقي العامّة والخاصّة .