فهل الحكمة في أن ينص الله على كل أحكامه ، ليطمئن المسلم إلى حكم
الله ، وتستقيم تربيته التشريعية ؟ أم الحكمة في ترك أحكامه للاجتهاد المبني
على الظن ، الذي يؤدي إلى تعدد الآراء والمذاهب والقتال والتكفير فيما بين
اتباعها ؟ !
نعم هذه هي الحكمة التي أشار إليها الأستاذ خلاف ، ولا يوجد غيرها
وقد عاشها المسلمون ، وما زالوا يعيشونها من تكفير لبعضهم البعض ، وأنا
أجزم أن انقسام هذه الأمة إلى فرق ومذاهب لم يحدث إلا بسبب إقصاء
النخبة التي تمثل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن مواقعهم التي خصهم الله سبحانه بها ، فلو بقي
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيا إلى يوم القيامة مع طاعة الناس له لما حدث أي انقسام أو
خلاف بينهم ، وهكذا لو أطاع الناس خلفاء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من آل بيته ( عليهم السلام ) لما
تمزقت أمته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شيعا متنافرة في دينه الذي جاء ليؤلف بين قلوب الناس
وليس لتشتيتهم .
أتى رجل من أهل الشام ليناظر الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( 1 )
وأصحابه ، فتصدى له هشام بن الحكم ( 2 ) فقال له : " يا هذا أربك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم ؟
فقال الشامي : بل ربي أنظر لخلقه .
قال : ففعل بنظره لهم ماذا ؟
قال : أقام لهم دليلا كي لا يتشتتوا أو يختلفوا ، يتألفهم ويقيم أودهم
ويخبرهم بفرض ربهم .
هامش
( 1 ) هو الإمام السادس من أئمة آل البيت الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، وهو أستاذ أبي
حنيفة رغم أنه يصغره بسنتين ، أنظر كتابنا " وركبت السفينة " 554 - 564 .
( 2 ) أحد أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) المقربين ، وقد نسبت إليه كثير من
الاتهامات الباطلة .