مناقشة النظرية الأولى :
إن الناظر للوهلة الأولى في هذه النظرية يضع حولها مجموعة أسئلة
وإشكالات ، فالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مبعوث للعالمين ، والإسلام هو خاتم الأديان ،
وظهوره على باقي الأديان أمر حتمي لا مفر منه ، قال تعالى : ( ليظهره على
الدين كله ) ( 1 ) ، والقرآن باق إلى يوم القيامة فهو أبدي ولكل الناس ، فكيف
يترك النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معجزته الخالدة في صدور صحابته وفي العسب واللخاف ؟
إن الصحابة راحلون عما قريب ، وستأتي الأجيال تترى وتترى ، فأين
ستجد معجزة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لتؤمن به ولتعمل بقرآنه ؟ هل يبحثون عنه في
صدور الصحابة ؟ فالصحابة أموات ، ولا يمكن القول أنه كان في ذهن
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقوم كل جيل بنقل القرآن عن الجيل الذي سبقه مشافهة ، إذ
لا دليل على هذا ، وهو يؤدي إلى ضياع القرآن واندراس آياته ، وقد وجدنا
عبد الله بن مسعود ينكر المعوذتين من القرآن ( 2 ) .
ولو افترضنا بقاء أمر القرآن كما هو عليه من عدم الجمع ، لجاء التابعون
وأنكروا بعض السور ، تبعا لابن مسعود ، وهذا الإنكار قد يحدث في كل
هامش
( 1 ) الفتح : 28 .
( 2 ) " فتح الباري " 8 / 604 وصحح ابن حجر ذلك .