هذا الأمر ، وممّا يدعو للعجب أنّها لا زالت وفيّة لهذا المنطق بل وتفتخر به !
لو كان الإنسان كائناً ذا بعدٍ واحد ، لأمكننا الحكم « بتجريد » الحرية من « كل قيد أو شرط » ، أما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الإنسان بوصفه كائناً ذا أبعاد مختلفة ، من الناحية الروحية والجسمية ، وأنّ « حبّه للحرية » ليس حبّه الوحيد ، وإنّما هناك أشكالٌ أخرى من الحب تتحكم في وجوده كحبّه لتكامل العشق وللأعمال الصالحة ولطهارة الروح ، وحبّه لأبناء جلدته ، وحبّه للعلم والفكر ، وحبّه للَّهتعالى ، فكيف يمكننا تجاهل حدود الحرية أو جعل مسألة عدم إزعاج الآخرين هو الضابط الوحيد للحرية ؟
فالحرية المشروعة والمنطقية هي أن لا يصاب أي من المتطلبات الضرورية للإنسان بالضرر ، وبتعبير آخر تركيب من جميع أشكال العشق ، وتناسب مع جميع الأحاسيس الفطرية والرغبات .
وعلى هذا الأساس فإنّ الحريات التي تقعد بالإنسان عن التكامل أو تسوقه نحو الانحطاط الفكري والاجتماعي أو تطلقه من قيد لتربطه بقيدٍ آخر ، وتحرره من قفصٍ ثم تحبسه في قفص آخر أكثر استحكاماً ؛ فهذه في الحقيقة ليست من الحرية في شيء . وإنّما هي طغيان وعبثية ، ذل وتخلّف ، وإذا أحسنا الظن فإننا نقول إنّها لا تعدو عن الحصول على المقصود والاستغلال المقيت ومميت نابع من غريزة وعشق ، وإذابة جميع المثل الأصيلة في وجود الإنسان .
بل إنّ الحرية نفسها ذات أبعاد وشعب شتى إذا طغت في جانب خلقت عبودية في آخر كالحرية الفكرية والحرية الفردية ، والحرية الاجتماعية والحرية الاقتصادية وأمثال ذلك .
الخطوط الأساسية للإقتصاد الإسلامي — صفحة 69
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٦٩