الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ ، وَتَدْرِيباً « 1 » لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ كُلّاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ
نَفْسَهُ » .
ما يبيّنه الإمام عليه السلام في هذه التوصية يعتبر أحد الأصول المهمّة للإدارة الجيدة ، من إدارة اللَّه تعالى والأنبياء للبشرية إلى إدارة ربّ الأسرة لعائلته وأبنائه .
القرآن الكريم يأمر النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله بالبشارة والإنذار ويعتبره « مبشراً » و « نذيراً » ، وكذلك وعد اللَّه تعالى الصالحين بالثواب الجزيل والنعيم الدائم في الجنّة ، ووعد المسيئين بالنار والعذاب الأليم .
وهذا الأصل موجود في جميع الأقوام البشرية مع تنوعهم واختلافهم في العقائد والثقافات والأنظمة الحكوميّة ، ويندرج تحت عنوان الترغيب والترهيب ، والدليل على ذلك بيّن ، لأنّ استمرار عمليّة الإحسان وإسداء المعروف للآخرين يتطلب تحفيز الباعث النفسي ، ومنع المخالفات أيضاً يستدعي وجود المحفز والباعث ، فربّما تؤثر الدوافع المعنويّة والعقائد الدينيّة في هذا المجال ، ولكن هذا الدوافع لا تتوفر في جميع الأفراد ، أضف إلى ذلك فإنّ وجود مسألة الثواب والعقاب من قِبل الوالي والحاكم من شأنه تجميد البواعث السلبية وترشيد الدوافع الخيرة .
وجملة «
وَأَلْزِمْ كُلّاً
. . . » إشارة لطيفة لهذه النقطة ، وهي أنّ المرء عندما يتقبل شيئاً لنفسه فلا مسوغ لأن يقوم الحاكم بمنعه ، فالمحسن اختار الثواب لنفسه ، والمسيىء اختار العقاب لنفسه ، ومن هذا المنطلق ينبغي اعطاء كلّ ذي حقّ حقّه .
والأهم من ذلك أنّ الإحسان للمحسنين يؤثر على عمل المسيئين ويرغبهم في ترك الإساءة ، وعقوبة المسيئين تدعو بدورها المحسنين للإستمرار في إحسانهم كما ذكر الإمام عليه السلام في كلام آخر له في نهج البلاغة :
« ازْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ » « 2 » .
وهذه إشارة إلى أنّ المسيىء عندما يرى نفسه محروماً من الثواب المادي
هامش
( 1 ) . « تَدْريب » بمعنى الاعتياد على شيء أو عمل معين ، وفي هذا المورد تعني التشويق في مقابل « تزهيد » .
( 2 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 177 .