والمعنوي للمحسنين ينتبه إلى خطئه ويثوب إلى رشده وربّما يتوب من عمله ويرتدع عن سلوكه .
ويتابع الإمام عليه السلام كلامه في بيان التوصية الثانية ويبيّن أفضل وسيلة لجلب حسن الظّن تجاه الوالي وكسب محبّة الرعايا له ويقول :
« وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ » .
والتعبير ب «
مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ
» مع الالتفات إلى أنّ « قِبَل » تأتي أحياناً بمعنى « عند » وأحياناً أخرى بمعنى « القدرة » ، يمكن أن يكون معنى الجملة : الشيء الذي ليس عندهم ( وليس في عهدتهم ) أو الشيء الذي لا يقدرون عليه ولا يطيقونه « 1 » .
وهذه الحقيقة قد أثبتتها التجارب الكثيرة ، فالوالي إذا كان يفكر بأمر الرعيّة ، وتحرك المسؤولون للتخفيف عن الضرائب التي تثقل كاهلهم ولم يحمّلوهم ما ليس في طاقتهم من الوظائف والتكاليف ، فإنّ ذلك من شأنه تقوية الرابطة العاطفيّة وتوثيق العلاقة بينهم وبين الحكومة ، هذه العلاقة الحميمة يمكنها أن تلعب دوراً فاعلًا في حلّ الأزمات والمشاكل المعقدة .
وهنا نقطة مهمّة أيضاً ، وهي أنّ الإمام عليه السلام يتحدّث عن عوامل حسن الظن للوالي برعيته لا حسن ظن الرعيّة بالوالي ، في حين أنّ المناسب حسب الظاهر أن يكون التعبير الأوّل في مثل هذه الموارد أنسب ، ولكن مراد الإمام عليه السلام التأكيد على أنّ الولاة وزعماء الامّة يسدون الخير والمعروف للرعية إلى درجة أنّهم يطمئنون إلى تأييدهم ووفائهم لهم .
وعلى هذا الأساس يقول الإمام عليه السلام في سياق كلامه :
« فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً « 2 » طَوِيلًا » .
هامش
( 1 ) . رغم أنّ البعض يعتقد بأنّ « قِبَل » إذا أضيفت للضمير فإنّها تعني القرب ، وإذا استعملت منفصلة تعني القدرة والقوّة .
( 2 ) . « نَصَب » بمعنى التعب والمشقّة ، من مادة « نَصْب » على وزن « نصر » وتعني إثبات الشيء ، مثلًا عندما يضعون الرمح في الأرض ويثبتونه يقال نصب الرمح ، وبما أنّ التعب يؤدّي إلى توقف الإنسان عن العمل فأطلقت هذه الكلمة عليه ، ويطلق على أعداء أهل البيت عليهم السلام نواصب لأنّه رفعوا لواء العداوة لهم .