ولكن المعنى الأوّل أنسب للعبارة .
ويقول الإمام عليه السلام في التوصية الثانية :
« وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ « 1 » » .
لأنّنا نعلم أنّ العداوات لا تحدث بدون سبب ، إمّا أن تكون بسبب سوء المعاملة أو تضييع الحقوق أو التكبر والفخر على الآخرين وأمثال ذلك ، فعندما يتمّ قلع هذه العوامل والأسباب فإنّ العداوات في جو المجتمع تتبدل إلى محبّة ومودة .
ويقول الإمام عليه السلام في التوصية الثالثة :
« وَتَغَابَ « 2 » عَنْ كُلِّ مَا لَايَضِحُ « 3 » لَكَ » .
وهذه إشارة إلى أنّه لا ينبغي لك الاصرار على التدخل في تفاصيل حياة الناس وأعمالهم ، وعليك بالتغافل مهما أمكنك ذلك ، فإنّ التدخل في جزئيات حياة الأفراد يعيقك عن الاهتمام بالمسائل الكلّية والهامة ويعمق الخلافات والعداوات في فضاء المجتمع .
وفي التوصية الرابعة والخامسة يقول الإمام عليه السلام :
« وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ « 4 »
فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ « 5 » ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ » .
ونعلم أنّ النمام هو الشخص الذي ينقل الأخبار الصحيحة والسقيمة بين الأفراد ليوقع بينهم الشقاق ويزرع بذور العداوة في صدورهم ، وقديماً قالوا :
وَقَد قَطَعَ الواشُون ما كَانَ بَيننا * وَنحنُ إلى أنْ نُوصِلَ الحَبلَ أحوجُ
رَأوا عَورَةً فاستَقبلُوها بِألبِهِم * فَلم يَنههُم حِلمٌ وَلَم يَتَحرَّجُوا
وَكَانُوا اناساً كُنتُ آمنُ غَيبَهم * فراحُوا على ما لا نُحبُّ وأدلَجُوا
هامش
( 1 ) . « وتر » على وزن « فكر » و « وتر » على وزن « سطر » كليهما بمعنى الوحيد والمنفرد ، وبما أنّ الإنسان عندما يقتل فإنّ أقرباءه يجدونه وحيداً ، ومن الطبيعي أن يضمروا الحقد في قلوبهم ، فاستخدمت هذه المفردة بمعنى اضمار الحقد والعداوة ، وهو المراد في الجملة أعلاه .
( 2 ) . « تَغَاب » فعل أمر من مادة « تغابي » بمعنى تغافل من مادة « غباوة » بمعنى الجهل وعدم العلم ، وكأنّ الشخص الذي يتغافل فكأنّه جاهل بذلك الشيء .
( 3 ) . « يضح » من مادة « وضوح » بمعنى وضوح الشيء .
( 4 ) . « ساع » من مادة « سعي » في الأصل بمعنى كلّ حركة ونشاط لإنجاز عمل معين ، ولكن في هذه الموارد يطلقعلى الشخص الذي يسعى في النميمة وذكر عيوب الآخرين .
( 5 ) . « غاشّ » بمعنى الخائن والمسىء من مادة « غِشّ » بمعنى الخيانة والإساءة .