والملفت أنّ أبا الطفيل ( الصحابي المعروف ومن الأتباع المخلصين للإمام علي عليه السلام ) يقول : « رأيت عليّاً عليه السلام يدعو اليتامى فيطعمهم العسل ، حتى قال بعض أصحابه : لوددت أني كنت يتيماً » « 1 » .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في وصيّته الثانية يؤكّد على ضرورة الاهتمام بحقّ الجيران ويقول :
« اللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ . مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ « 2 » » .
وجملة
« فَإِنَّها وصِيَّةِ نَبِيِّكُمْ »
، إمّا من باب حذف المضاف ، وهي في الأصل :
« فإنّها محل وصّية نبيّكم »
، أو من باب التأكيد بأنّهم عين وصيّته ، من قبيل أن يقال :
زيد عدل ، أو نقول مثلًا : الشخص الفلاني عين العدالة .
والتعبير ب « ظنّ » في جملة در جملهء
« حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ »
، بأن يكونوا شركاء في الميراث إمّا على مستوى التأكيد ومن خلال ما سمعوه من تكرار توصية النّبي بالجيران ، أو يراد بها المعنى الحقيقي ، وأنّهم حسبوا واقعاً أنّ مقام الجيران إلى درجة يمكن أن يلحقوا بالأرحام والأقرباء ويكونون شركاء في الميراث .
وعلى أيّة حال فالجار في الإسلام يتمتع باحترام خاص خلافاً لما نراه في عالم اليوم والحياة المادية في المجتمعات المعاصرة ، فربّما عاش رجلان عشرين سنة جيراناً ولكن أحدهما لا يعرف الآخر بتاتاً .
إنّ فلسفة احترام الجار في الإسلام جلية وواضحة ، لأنّ الإسلام دين اجتماعي بامتياز ، فتعاليمه ناظرة إلى تجمع الأسرة ، تجمع الأقرباء والأرحام ، تجمع الجيران ، تجمع أهالي المدينة ، تجمع المواطنين في البلد الواحد ، فكل واحد من أفراد هذه التجمعات له مكانة خاصّة في الإسلام ، فلو أنّ الجيران كانوا يهتمون واقعاً ببعضهم
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 41 ، ص 29 .
( 2 ) . « سيورثهم » « ورث » ( صيغة الثلاثي المجرّد ) تعني أخذ الميراث ، ولكن « ورّث » من باب التفعيل تعني اعطاء الميراث أو ترك الميراث .