تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
والتشبيه الثالث يشبّه الإمام عليه السلام زخارف الدنيا وبريقها الخداع بالمصائد والفخاخ ، بحيث إنّ الإنسان إذا استطاع اجتناب هذا البريق الخداع فإنّه سيوفق لنيل السعادة ومرتبة القرب الإلهي ، وخلاصه منها بذاته يشكل له أكبر افتخار وانتصار في حركة الحياة مهما واجه في ذلك من صعوبات وتحديات . ثمّ يشبّه الإمام عليه السلام الدنيا باليوم الذي يوشك على الانتهاء وأنّ الشمس توشك على الغروب لسرعة انتهائها وزوالها ، كما يقول الشاعر :
حُكْمُ المنِيَّةِ فِي البَريِّةِ جارِي * ما هذِه الدُّنيا بِدارِ قَرارِ بَينا يَرى الإنسانُ فِيها مُخبراً * حتَّى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبارِ طُبعَتْ عَلى كَدرٍ وَأَنتَ تُرِيدُها * صَفواً مِنَ الأقدارِ والأكدارِ وَمُكلّفُ الأيّامَ ضِدَّ طِباعِها * مَتَطلّبٌ فِي الماءِ جَذوةَ نارِ وَإِذا رَجَوتَ المُستَحيلَ فإنّما * تَبنِي الرّجاءَ عَلى شَفيرِ هاوٍ فَالعيشُ نَومٌ وَالمنِيَّةُ يَقظَةٌ * وَالمرءُ بَينهما خيالٍ سارِ فَاقضوا مَآرِبَكُم عِجالًا إِنّما * أَعمارُكُم سَفراً مِنَ الأَسفارِ
ونقرأ في حديث رواه المرحوم الكليني في كتاب « الكافي » عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَتَصَبَّرُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّمَا الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَمَا مَضَى فَلَيْسَ تَجِدُ لَهُ سُرُوراً وَلَا حُزْناً وَمَا لَمْ يَأْتِ فَلَيْسَ تَعْرِفُهُ فَاصْبِرْ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا فَكَأَنَّكَ قَدِ اغْتَبَطْتَ » « 1 » . وفي ختام هذا المقطع من الرسالة يخاطب الإمام عليه السلام الدنيا ويقول : « اعْزُبِي « 2 » عَنِّي ! فَوَاللَّهِ لَاأَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي ، وَلَا أَسْلَسُ « 3 » لَكِ فَتَقُودِينِي » . ولحدّ الآن لم يرد في الكتب والمدونات والخطب أنّ شخصاً خاطب الدنيا بمثل
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 459 ، ح 21 . ( 2 ) . « اعزُبي » أي ابتعدي عنّي من مادة « عزوب » على وزن « غروب » بمعنى الابتعاد عن الشيء ، ويطلق على من لم‌يتزوج أعزب لأنّه بعيد عن الحياة العائليّة . ( 3 ) . « أسلس » من مادة « سلاسة » بمعنى المطيع وتأتي أحياناً بمعنى السهل والميسور .
نفحات الولاية — صفحة 172 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي