السالفة الذين تورطوا في دوامة البلايا والعذاب بسبب غفلتهم وغرورهم وكان مصيرهم الهلاك وقد دفنوا هم وثرواتهم تحت الأنقاظ ، فنقرأ في الآيات القرآنيّة قوله تعالى : « لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبابِ » « 1 » .
ويقول تعالى في مورد آخر : « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَريمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فيها فاكِهينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرينَ » « 2 » .
ثمّ يواصل الإمام عليه السلام كلامه بطرح تشبيهات أخرى لحال الأشخاص الذين خدعوا بالدنيا والأشخاص الذين تخلصوا من شراكها وأفلتوا من حبالها ، ويقول :
« هَيْهَاتَ ! مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ « 3 » زَلِقَ « 4 » ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ « 5 » غَرِقَ ، وَمَنِ ازْوَرَّ « 6 » عَنْ
حَبَائِلِكِ وُفِّقَ ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لَايُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ « 7 » ، وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ
انْسِلَاخُهُ » .
في هذا المقطع الكلام النوراني للإمام عليه السلام يشبّه المواهب المادية في الدنيا بثلاثة أمور ، بداية يتحدّث عن المزالق التي تواجه الإنسان في كلّ زمان واحتمال سقوطه في هذه المزالق ، وهي المقامات الدنيويّة والثروات المادية والشهوات النفسانيّة ، فلو أنّ الإنسان غفل قليلًا عن هذه الأمور فإنّه سيتلوث بالحرام ويقع أسيراً في شراك الأهواء والنوازع النفسانيّة .
والآخر ، أنّ الإمام عليه السلام يشبّه الدنيا بالبحر المواج الذي يصعب جدّاً عبوره بسلام ، والكثير من الأحايين تكون أمواج الأهواء والشهوات إلى درجة من الشدّة والتلاطم بحيث إنّها تبتلع الإنسان وتغرقه في دوامتها .
هامش
( 1 ) . سورة يوسف ، الآية 111 .
( 2 ) . سورة الدخان ، الآيات 25 - 29 .
( 3 ) . « دحض » بعني منزلق .
( 4 ) . « زلق » من مادة « زلق » على وزن « دلق » بمعنى التزحلق .
( 5 ) . « لجج » جمع « لجة » على وزن « حجّة » بمعنى القسم العظيم المتلاطم من البحر .
( 6 ) . « ازورّ » من مادة « ازورار » بمعنى الجنوح والانحراف من شيء ، وهو من مادة « الزيارة » .
( 7 ) . « مناخ » في الأصل بمعنى المحل الذي يبرك فيه الإبل ، ثمّ أطلقت على كلّ محل للاستقرار .