وينقل المرحوم العلّامة التستري قصّة تتضمّن دروساً وعبرة عن الأمالي للشيخ الصدوق وخلاصتها : « انطلق ذو القرنين يسير في البلاد حتى مرّ بشيخ يقلّب جماجم الموتى ، فوقف عليه بجنوده ، فقال له : أخبرني أيّها الشيخ لأيشيء تقلّب هذه الجماجم ، قال : لأعرف الشريف من الوضيع ، والغني من الفقير فما عرفت ، وإنّي لأقلبها منذ عشرينسنة ، فانطلق ذو القرنين وتركه ، وقال : ما عنيت بهذا أحداً غيري » « 1 » .
ثمّ يخاطب الإمام عليه السلام الدنيا بعبارات حكيمة ومثيرة ويقول :
« وَاللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً ، وَقَالَباً حِسِّيّاً ، لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِيِّ ، وَأُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي « 2 » ، وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلَاءِ ، إِذْ
لَا وِرْدَ « 3 » وَلَا صَدَرَ « 4 » » .
وبديهي أنّ الدنيا ، بمعنى المواهب المادية والظواهر الطبيعية لا تملك قلباً ولا فكراً ولا إرادة واختياراً ، بل مجرّد وسائل وآليات يستخدمها الإنسان لنيل السعادة في حركة الحياة ، أو يغرق في مستنقع الشقاء والعناء فيما لو سار في خط الرذيلة وقصر اهتمامه ونظره بها ، أضف إلى ذلك أنّ الدنيا بهذا المعنى ليست شيئاً يمكن إجراء الحدّ الإلهي عليها ، ولكن الغاية التي يتوخاها الإمام عليه السلام من هذا الكلام هي الكناية اللطيفة والتشبيه الظريف لإيقاظ عقول المغرورين بها وتنبيه الغافلين عن الحقائق الغيبية ليتحركوا على مستوى تصحيح مسيرتهم والعودة إلى عقولهم وفطرتهم والاعتبار من تاريخ الأمم السابقة وإصلاح مستقبلهم بالاقتباس من دروس التاريخ .
وهذا الكلام في الحقيقة مقتبس من القرآن الكريم الذي يذكر هذا المعنى بشكل آخر ، فالآيات القرآنيّة تخاطب جميع أفراد البشر وتدعوهم لدراسة تاريخ الأقوام
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة للعلّامة التستري ، ج 6 ، ص 390 ؛ بحار الأنوار ، ج 12 ، ص 175 .
( 2 ) . « المهاوي » جمع « مَهوى » و « مَهواة » يعني الوادي ويطلق على كلّ مكان خطر يتعرض فيه الإنسان للهلكة .
( 3 ) . « ورد » تعني في الأصل الوصول إلى حافة النهر ، ثمّ أطلقت على كلّ وصول أو دخول .
( 4 ) . « صدر » ضد « ورد » يعني الخروج من الشاطيء ثمّ أطلقت على كلّ أنواع من الخروج .