تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
في غاية الروعة والبلاغة والجمال الأدبي : « إِلَيْكِ عَنِّي « 1 » يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ « 2 » قَدِ انْسَلَلْتُ « 3 » مِنْ مَخَالِبِكِ « 4 » ، وَأَفْلَتُّ « 5 » مِنْ حَبَائِلِكِ « 6 » ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ « 7 » » . ونرى أنّ الإمام عليه السلام في هذه العبارات القصيرة يشبّه الدنيا بأربعة أشياء ، الأوّل : أنّ الدنيا تشبه الناقة التي ربّما تكون جذابة وحلوبة ، ولكنّ صاحبها عندما يريد تركها لترعى في المرتع فإنّه يضع لجامها على ظهرها أو رقبتها ، فترى هذه الناقة نفسها أنّها صارت حرّة من صاحبها فتبتعد عنه وتنشغل بالرعي في المرتع . وفي التشبيه الثاني ، يشبّه الإمام عليه السلام الدنيا بالسبُع الذي يروم صيد الفريسة بمخالبه القوية والخطيرة ويمزقها ، ويقول الإمام عليه السلام : وأنا قد أفلتّ نفسي من مخالب هذا الحيوان المفترس فلا يصل إليَّ بعد ذلك . وفي التشبيه الثالث ، يشبّه الإمام عليه السلام الدنيا بالصياد الذي نشر حبائله وشراكه لصيد الحيوانات أو الطيور ، فيقول الإمام : لقد عرفت جيداً هذه المصائد والشراك وتخلصت منها فلا أقع فيها أبداً . وفي التشبيه الرابع ، يشبّه الإمام عليه السلام الدنيا بالمنزلق الخطير والوادي السحيق الذي يحتوي على مزالق كثيرة ، منها : الشهوات ، المال والمقام ، الزوجة والأبناء ، والعناوين البراقة والماديات المغرية ، فيقول الإمام عليه السلام : لقد ابتعدت عن هذه المزالق جميعاً ، ومن هذه الجهة فإنني لا أسقط في حبالها ولا في مخالبها ولا في منزلقاتها . ثمّ يتابع الإمام عليه السلام خطابه للدنيا ويقول : « أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ
هامش
( 1 ) . « إليك عنّي » جملة تتشكل كلّ واحد منهما ظاهراً من جار ومجرور ، في حين أنّ « إليك » اسم فعل بمعنى « أبعد » . ويحتمل أن تكون جملة لفعل مقدّر وهو « أرجع » و « أبعد » ، يعني « أرجع إليك وأبعد عنّي » . ( 2 ) . « غارب » بمعنى المحل الذي يقع على ظهر ورقبة الناقة ، ويأتي بمعنى الرقبة وآخر نقطة من الظهر . ( 3 ) . « انسللت » من مادة « سلّ » على وزن « حلّ » بمعنى سحب واخراجه بهدوء . ( 4 ) . « مخالب » جمع « مخلب » على وزن « منبر » تطلق على أظافر الطيور والوحوش . ( 5 ) . « أفلتّ » من مادة « فلت » على وزن « برف » بمعنى الخلاص والتحرر . ( 6 ) . « حبائل » جمع « حبالة » بمعنى المصيدة والشرك . ( 7 ) . « مداحض » جمع « مدحض » على وزن « مركز » بمعنى منزلق .