نظر إليه قال : « اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه » ، فوثب أصحاب العمرّي إليه ، فقالوا له :
ما قصّتك ، قد كنت تقول غير هذا ؟
قال العمري : قد سمعتم ما قلت الآن ، وجعل يدعو لأبي الحسن الإمام الكاظم عليه السلام ، فخاصموه وقاطعهم ، فلمّا رجع أبو الحسن عليه السلام إلى داره ، قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري : أيّما كان خيراً ، ما أردتم أو ما أردت ، إنّني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم وكفيت شرّه « 1 » .
ويقول الإمام في التوصية السابعة : « وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا » .
وهذا يعني أنّ الإنسان ينبغي أن يسير في مسألة الصداقة في خطّ الاعتدال ، ولا يفشي أسراره كلّها لصديقه ، حتّى لا يتورّط فيما لو انقلبت هذه الصداقة يوماً ما إلى عداوة ويواجه الضرر والخسارة ، وهكذا بالنسبة للحالة الأخرى ، فالإنسان لا ينبغي أن يقطع صلته تماماً مع صديقه ويهدم كلّ الجسور خلفه ، لأنّه ربّما يندم ويريد إعادة العلاقة مع الطرف الآخر ، ولكنّه لا يجد طريقاً لمدّ جسور الثقة معه .
وهذا المضمون ورد بشكل أشمل في كلام آخر لأمير المؤمنين عليه السلام ( طبقاً لما ورد في بحارالانوار ) قال : « أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا » « 2 » .
وينقل ابن أبيالحديد عن بعض العلماء هذا المعنى ببيان آخر قال : « إذا هَوَيْتَ فَلا تَكُنْ غالِياً وَإِذا تَرَكْتَ فَلا تَكُنْ قالِياً » « 3 » .
وفي التوصية الثامنة والأخيرة من هذا المقطع من الوصية يقول الإمام عليه السلام : « وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ » .
هامش
( 1 ) . مقاتل الطالبيين ، ص 332 . وأورد هذه القصة المرحوم العلّامة المجلسي بشكل أوسع في بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 102 ، ح 7 ( مع اختلاف يسير ) .
( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 177 ، ح 14 .
( 3 ) . شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ، ج 16 ، ص 110 .