يمكنك أن تحقّق هذا النصر من خلال إبراز المحبّة والمودّة ، ومعلوم أنّ الطريق الثاني أحلى وأحسن عاقبة ، لأنّك في المستقبل ستعيش فارغ الذهن عن خوف الانتقام من العدوّ في حين أنّك إذا انتصرت عليه باستعمال القوّة ، فسوف تتوقّع في كلّ وقت ظهور نزاع جديد باستخدام القوّة من قِبل العدوّ ، وبعبارة أخرى ، أنّ العدوّ سيبقى في الطريق الأول عدوّاً ، في حين أنهّ في الطريق الثاني سيتبدّل إلى صديق .
ينقل أبو الفرج الاصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين قصّة جميلة في هذا المجال عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال : إنّ رجلًا من ولد عمر بن الخطّاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى عليه السلام ويسبّه إذا رآه ، ويشتم عليّاً عليه السلام ، فقال له بعض جلسائه يوماً : دعنا نقتل هذا الفاجر ، فنهاهم الإمام موسى الكاظم عليه السلام عن ذلك أشدّ النهي وزجرهم أشدّ الزجر ، فسأل عن العمري ، فذُكر له أنّه يزرع بناحية من نواحي المدينة ، فركب إليه فوجده في مزرعة له ، فدخل المزرعة بحماره ، فصاح به العمري :
لا توطئ زرعنا ، فتوطّأه أبو الحسن موسى عليه السلام بالحمار حتّى وصل إليه ، فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه وقال له : « كَمْ غَرِمتَ فِي زَرْعِكَ هذا ؟ » ( أي صرفت على زرعك ) .
فقال العمري : مائة دينار ، فقال الإمام عليه السلام : « وَكَمْ تَرجُو أن تُصِيبَ ؟ » ( أي تربح من الزرع ) .
قال العمري : لست أعلم الغيب ، فقال الإمام عليه السلام له : « إنّما قُلتُ لكَ كَمْ تَرجُو أن يَجِيئُكَ فِيه » ، قال العمري : أرجو أن يجيئني فيه مائتا دينار .
فأخرج الإمام الكاظم عليه السلام صرّة فيها ثلاثمائة دينار وقال : « هذا زَرْعُكَ على حَالِهِ واللَّهُ يَرزُقُك فِيه ما تَرْجُو » .
فقام العمري فقبّل رأسه وسأله أن يصفح عن فرطه ( أي ما فرّط في حقّ الإمام عليه السلام ) فتبسّم إليه أبو الحسن عليه السلام وانصرف .
قال الراوي : وراح الإمام الكاظم عليه السلام إلى المسجد فوجد العمرّي جالساً ، فلمّا
نفحات الولاية — صفحة 569
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٦٩