القسم الثالث والعشرون
وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ ، وَلَنْ تَعْدُوَأَجَلَكَ ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ . فَخَفِّضْ فِيالطَّلَبِ . وَأَجْمِلْ فِيالْمُكْتَسَبِ ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ ؛ فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ ، وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ . وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً . وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً . وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَايُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ ، وَيُسْرٍ لَايُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ ؟ ! وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ . وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ ، فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ ، وَآخِذٌ سَهْمَكَ ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ .
الشرح والتفسير : لا تذلّ نفسك أبداً
في هذا المقطع من الوصيّة يشير الإمام عليه السلام إلى ستّ نقاط مهمّة تمثّل كلّ واحدة منها نصيحة للسائرين في طريق الحقّ والمعنوية ، ولكن قبل ذلك يذكر الإمام عليه السلام مقدّمة ويقول : « وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ » ، أنت لا تستطيع أن تتجاوز ما تقرّر من عمرك ، فأنت تسير في نفس الطريق الذي سار فيه القدماء ، فأولئك ماتوا وذهبوا لحال سبيلهم وأنت سوف تلحق بهم .
ثمّ يستنتج الإمام عليه السلام هذه التوصية : « فَخَفِّضْ « 1 » فِي الطَّلَبِ وَأَجْمِلْ « 2 » فِي
هامش
( 1 ) . « خفّض » من مادة « خفض » يعني جرّ الشيء إلى الأسفل في مقابل رفعه إلى الأعلى ، وهنا جاءت بمعنىالطلب القليل وترك الطمع في الكثير .
( 2 ) . « أجمل » من « الإجمال » وهو الإعتدال في العمل وعدم الافراط .