تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
الأقوام والمجتمعات البشرية على امتداد التاريخ ، منذ أن خلق اللَّه آدم عليه السلام ولحدّ الآن . ثمّ يضيف الإمام عليه السلام ، لقد تدبّرت في جميع أخبارهم وآثارهم ، واخترت منها الصفوة ، وعرفت النافع من الضارّ ، والحسن من السيّء : « فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ « 1 » وَتَوَخَّيْتُ « 2 » لَكَ جَمِيلَهُ ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ » . إشارة إلى أنّ مطالعة آثار القدماء والسير في ثنايا تاريخهم وآثارهم لا يكفي في التعلّم والاعتبار ، بل ينبغي أن يكون الإنسان كالصرّاف الذي يستخلص من كلّ أمر الجيّد منه ويميّز بين الغثّ والسمين ، والحسن والرديء ويلقي بالسىّء والرديء جانباً ، وينتفع من الحسن والجيّد ، فيقول الإمام عليه السلام : وقد اخترت لك الجميل من أعمالهم وصرفت عنك الرديء وألقيت به بعيداً . وفي ختام هذه الفقرة من الوصيّة يبيّن الإمام عليه السلام الباعث له على هذه الوصية مرّة أخرى بقوله : « وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَمُقْتَبَلُ « 3 » الدَّهْرِ ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ » . وهذا إشارة إلى أنّني عندما أتعبت نفسي في جمع تجارب القدماء وما تحدّث به التاريخ عن الأمم السابقة ، فقد استخلصت لك منها هذه المواعظ ، والباعث لذلك أمران : الأوّل : أنّني والدك الشفيق والمحبّ لك والطالب لسعادتك ، والآخر : أنّك
هامش
( 1 ) . « نخيل » من « النخل » في الأصل تعني الغربال الذي يستخدم في تطهير الدقيق من الشوائب والنخالة ، ثم‌اطلقت كلمة « نخيل » على كل شيء تمت تصفيته وتنقيته ، والمراد من العبارة أعلاه أنني اخترت لك الشيء النقي والمصفى من تاريخ وسيرة القدماء وتركت الأمور المظلمة والكدرة جانباً ، وينبغي الالتفات إلى أنّ « نخيل » بهذا المعنى لها جهة وصفية ، وهي غير « نخيل » جمع « نخل » وهي شجرة التمر . ( 2 ) . « توخيت » من « الوخْى » على وزن « نفى » بمعنى قصد الشيء والتوجه إليه ، و « توخى » في هذا المورد جاءت بمعنى الانتخاب والاصطفاء . ( 3 ) . « مقتبَل » بمعنى مطلع وبداية كل شيء ، وهي من « الإقتبال » وتعني الشروع بالأمر والابتداء عمل معين .