وعبراً ، وتنطق بالمواعظ في سكوتها المطبق .
فلو أنّ هارون نظر إلى الحوادث المثيرة والتقلّبات المذهلة في تاريخ بنيامية وبني العباس ، فسوف يستوحي منها أفضل الدروس وأعظم العبر .
ومن هذا المنطلق يكون كلام الإمام عليه السلام في هذه الوصيّة : « أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ » يتضمّن مفهوماً واسعاً بحيث يستوعب جميع عناصر الوعظ وكافّة الوعّاظ .
يقول أبو الفرج الاصفهاني في كتاب الأغاني : كانت الخرقاء بنت النعمان إذا خرجت إلى بِيعَتِها ( محلّ العبادة ) يفرش لها الطريق بالحرير والديباج المغشّى بالخزّ والوشي ، ثمّ تقبل في جواريها حتّى تصل إلى بِيعَتِها ، وترجع إلى منزلها ، فلمّا هلك النعمان نكبها الزمان ، فأنزلها من الرفعة إلى الذلّة ، فلمّا وفد سعد القادسية أميراً عليها وانهزم الفرس وقتل رستم ، أتته في حفدةٍ من قومها وجواريها عليهنّ المسوح والمقطّعات السود تطلب صِلته ، فقال لهنّ : أيتكنّ الخرقاء ؟ قال : ها أنا ذي إنّ الدنيا دار زوال ولا تدوم على حال ، كنّا ملوك هذا المصر يُجبى لنا خراجه ويطيعنا أهله مدى المدّة والزمان ، كذلك الدهر ليس يأتي قوماً بمسرّة إلّاويعقبهم بحسرة ثمّ قالت :
فبَينا نَسوس الناس والأمر أمرُنا * إذا نحنُ فيهم سوقةً ليس تعرف
فافٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلّب تارات بنا وتصرّف « 1 »
وكذلك ينقل عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قال : دخلت على امّي يوم أضحىً وعندها امرأة في أثواب دنسة ، فقالت : أتعرف هذه ؟ قلت : لا ، قالت : هي عنابة أم جعفر البرمكي ، فسلّمت عليها وقلت لها : حدثيني ببعض أمركم ، فقالت :
أذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر ، لقد هجم عليَّ مثل هذا اليوم وعلى رأسي أربعمائة وصيفة وأنا أزعم أنّ ابني جعفر عاقّ فيَّ ، وقد أتيتكم اليوم أسألكم جلدَي شاتين ، شِعار ودثار « 2 » .
هامش
( 1 ) . شرح نهجالبلاغة للعلّامة التستري ، ج 8 ، ص 332 .
( 2 ) . المصدر السابق ، ص 333 ونقل هذه القصة أيضاً المرحوم المحدّث القمي في تتمة المنتهى ، ص 248 .