الروايات الشريفة تذكر وعّاظاً آخرين إلى جانب ذلك ، ومنهم الحوادث المُرّة والمصائب الأليمة التي تصيب الإنسان في الدنيا ، وهو ما يشير إليه الإمام عليه السلام في قوله : « أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ » .
والواعظ الآخر للإنسان يتمثّل في تاريخ القدماء وسيرة الأقوام الماضية وأطلال القصور والقبور المندرسة والديار المتروكة ، والتي تتحدّث مع الإنسان بألف لسان وهي صامتة ، والإمام عليه السلام بهذه العبارات يشير إلى هذا الواعظ أيضاً .
الواعظ الآخر الذي يتحدّث عنه الإمام عليه السلام في نهجالبلاغة في ( الخطبة 188 ) أجساد الموتى ويقول : « فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبين » « 1 » .
وقد نستوحي من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام وعّاظاً آخرين يعبّر عنهم بالواعظ الباطني ، يعني الوجدان اليقظ والضمير الحيّ في واقع الإنسان وقلبه ، يقول : « وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ » « 2 » ، وهذا الواعظ النفساني هو ما ورد في القرآن الكريم في سورة الشمس ، قال تعالى : « وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » « 3 » .
الواعظ الآخر هو ما بيّنه الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهارون الرشيد عندما طلب هذا الأخير من الإمام عليه السلام موعظة ، فقال له الإمام عليه السلام كلاماً وجيزاً وعميق الغور : « ما مِنْ شَيْءٍ تَراهُ عَيْنَيْكِ إلّاوَفيهِ مَوْعِظَةٌ » « 4 » .
يعني أنّ النجوم المتلألئة في السماء ، والشمس والمضيئة ، والقمر المنير ، والظهر المحدودب للمسنين ، الشعر الأبيض للشيوخ ، أوراق الشجر اليابسة في فصل الخريف ، والقبور المندرسة للموتى ، والقصور المتهاوية للملوك ، كلّها تتضمّن دروساً
هامش
( 1 ) . نهجالبلاغة ، الخطبة 188 .
( 2 ) . نهجالبلاغة ، الكلمات القصار 89 .
( 3 ) . سورة الشمس ، الآيتان 7 و 8 .
( 4 ) . بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 324 .