دائماً ( رغم أنّ الشباب ليس عنصراً يثير الاطمئنان والاعتماد في الحياة ) وسوف لا تمضي مدّة إلّاوتقترب قافلة عمرك وحياتك للوصول إلى المنزل الآخير ، لئلّا يعيش ولده حالات الغرور بالشباب وتقوده عناصر الحيوية نحو الطغيان وينسى مستقبله ويغفل عن عاقبة أمره .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يلفت النظر إلى هذه النقطة ، وأنّه لماذا فكّر بتقديم النصح الكثير لولده في حين أنّ الإمام عليه السلام يعيش حالة الاهتمام بنفسه ، ويقول : « وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي ، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي ، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي ، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي ، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً « 1 » بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ » .
وعندما يعبّر الإمام عليه السلام بأنّك بعض من وجودي فالمعنى واضح ، لأنّ الابن يولد من الأب والامّ ، وتتشكّل أجزاء بدنه من بدن والديه ، ولكن عندما يقول : ووجدتك جميع وجودي ، يمكن أن يكون إشارة إلى أنّك الإمام بعدي وخليفتي في هذا المقام ، وعلى هذا الأساس فإنّ جميع وجودي يتجلّى فيك ، وتكون مرآة يتجلّى فيها كلّ وجودي .
ويحتمل أيضاً أنّ هذه الجملة إشارة إلى مجموعة الصفات الجسمانية والروحانية التي تنتقل من الآباء للأبناء بحكم قانون الوراثة ، وأنّ الأبناء سيتحلّون بالصفات الجسمانية والروحانية للآباء .
وهنا مثل عربي معروف يمثّل بيت شعر يقول فيه الشاعر :
إنّما أوْلادُنا بَيْنَنا * أكْبادُنا تَمْشى عَلَى الْأَرْضِ « 2 »
وجاء في شرح نهجالبلاغة للمرحوم التستري أنّ رجلًا أعرابياً مات ابنه فكفّنه ودفنه ، ثمّ قال :
هامش
( 1 ) . « مستظهرا » من « الاستظهار » بمعنى طلب المعونة والنصرة من شخص أو شيء .
( 2 ) . شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ، ج 16 ، ص 61 .