القسم الثاني
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ ، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ ، مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ ، وَالْاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي ، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي ، فَصَدَفَنِي رَأْيِي ، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي ، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَايَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لَايَشُوبُهُ كَذِبٌ . وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي ، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي ، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي ، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي ، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ .
الشرح والتفسير : علّة كتابة هذه الوصية
في هذه الفقرة من الوصية يتحدّث الإمام عليه السلام فيها بادئاً من نفسه ويذكر الباعث له لكتابة مثل هذه الوصية الأخلاقية والإنسانية ، ويقول ما خلاصته : إنّي نظرت إلى نفسي فرأيت كوكب عمري متّجهاً نحو الأفول ، وينبغي أن أهتمّ بنفسي وأستعدّ لسفر آخرتي ، ولكن بما أنّك تمثّل جزءاً من وجودي بل جميع وجودي ، فرأيت من الضروري أن اقدّم لك هذه التحذيرات والنصائح ، ويقول الإمام عليه السلام :
« أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوحِ « 1 » الدَّهْرِ عَلَيَّ وَإِقْبَالِ
هامش
( 1 ) . « جُمُوح » بمعنى التمرد والطغيان ، و « جَمُوح » على وزن « قبول » وفي الأصل تعني الحيوان المتمردوالمنفلت ، ثم أطلقت على كل إنسان منفلت ومتمرد بل تطلق أيضاً على الحوادث والقضايا التي تخرج عن اختيار الإنسان .