الْآخِرَةِ إِلَيَّ ، مَا يَزَعُنِي « 1 » عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ ، وَالاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي « 2 » » .
وفي هذا السياق يستنتج الإمام عليه السلام هذه النتيجة ، أنّ هذا الاهتمام دعاني للتفكير في نفسي والانصراف عن سلوك طريق الأهواء النفسية وبيّن لي حقيقة مصيري وأوصلني هذا الأمر إلى مرحلة لا يشوبها اللعب والهزل ، بل كلّها صدق وحقّ : « غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي ، فَصَدَفَنِي « 3 » رَأْيِي وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي ، فَأَفْضَى « 4 » بِي إِلَى جِدٍّ لَايَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ » .
وهذا إشارة إلى أنّ الإعراض عن الدنيا يوجب للإنسان اليقظة ويبعث فيه الانتباه لأنّه يرى نفسه في مرحلة الانتقال من هذه الدنيا ، وهذا الأمر يقوده لاجتناب السقوط في فخ الأهواء النفسانية ، وأن يفكّر بشكل جادّ بمصيره وعاقبته ، ويجتنب أشكال اللهو واللعب ويحمل نفسه على الصدق وطلب الحقيقة بعيداً عن كلّ أشكال التعصّب والتساهل ، ويهتمّ بمستقبله وحياته بعد الموت فيما يجمع له من زادٍ لسفر الآخرة .
وبهذه المقدّمة يهدف الإمام عليه السلام ظاهراً لتحقيق أمرين : الأوّل : أن يؤمن مخاطبه بشكل تامّ أنّ ما قاله آنفاً ليس بالهزل ، بل هو جادّ تماماً في هذا الكلام ، ويمثّل نتيجة مطالعات عميقة وتأمّلات في وضعه الحالي والمستقبلي ، والآخر أنّه يحذّر ولده من أنّه سيواجه مثل هذه الأمور في المستقبل ، ولا يبقى في مرحلة الشباب
هامش
( 1 ) . « يَزَع » من مادة « وزع » على وزن « وضع » بمعنى المنع والاعاقة عن شيء .
( 2 ) . « ما وَرائي » إشارة إلى أهل الدنيا ، المقامات ، الثروات وأمثال ذلك ، وغرض الإمام عليه السلام من ذلك بيان هذه الحقيقة وهي أنّ الالتفات إلى قرب الانتقال من هذه الدنيا منعني من الميل للأمور الدنيوية وجعلني ملتفتاً لمصيري ومستقبلي ، والعجيب أنّ بعض شرّاح نهجالبلاغة ذكروا في معنى « ما وَرائى » أنّها تعني الآخرة ، في حين أنّ مفهوم هذه العبارة يكون بهذه الصورة : إنّ الالتفات إلى نهاية عمري شغلني عن الاهتمام بأمر الآخرة ، وهذا التفسير مجانب للصواب .
( 3 ) . « صدف » من مادة « صدف » على وزن « حذف » بمعنى الإعراض عن شيء .
( 4 ) . « أَفْضى » من « الإفضاء » و « فضاء » وتعني الوصول إلى شيء وكأنّه دخل إلى فضائه وجوّه .