على شخص لم يقع طيلة عمره أسيراً لمثل هذه الهموم والغموم ؟
ومن المناسب هنا الإشارة إلى قصّة الإسكندر المعروفة ، فعندما حان أجله وكانت امّه لا زالت على قيد الحياة ، ويعلم أنّها سوف تحزن عليه بشدّة ، فكّر بأمر لتخفيف حزنها وألمها ، فقال لها : يا امّاه إبكي عليَّ وأقيمي المأتم ولكن لا تبكي لوحدك ، بل ادعي معكِ جماعة يشاركونك في هذا الأمر وليبكوا عليَّ لا على مصائبهمومشاكلهم .
فعملت هذه الام بوصيته بعد موته وتوجّهت للجيران والأقرباء والأصدقاء وكلّما سألت أحداً منهم : هل أنّك خالٍ من الغمّ والحزن ؟ فإنّه يذكر لها بعض همومه وأحزانه ، فيقول أحدهم : ماتت زوجتي ، والآخر يقول : مات ولدي ، والثالث يقول :
إنّي خسرت في تجارتي ، الرابع يقول : إنني أعيش الأسقام والآلام ، ففهمت الامّ أنّه لا يوجد شخص لا يعيش الحزن ولا تواجه الهموم ، وحسب المثل المعروف : « الْبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ » فخفّت عليها حينئذٍ مصيبة فقد ولدها .
وعبارة : « نُصُبِ الْآفَاتِ وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ » مع الأخذ بالحسبان أنّ كلمة « نُصُب » تعني الأغراض التي ينصبها الرماة لتسديد الرمية باتجاها ، وكلمة « صَريع » تعني الشخص المغلوب على أمره والذي سقط على الأرض ، فالعبارة تشير إلى الآفات والبلايا المختلفة التي تصيب الإنسان من كلّ جهة وتجعله هدفاً لها ، والشهوات التي تصرعه في حياته ولا يستطيع التصدّي لها ومقاومتها .
وجملة : « خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ » إشارة إلى أنّك أيّها الإنسان لا تغفل عن أنّك خليفة الأموات وسوف تلتحق بهم في المستقبل القريب وسيحلّ آخرون محلّك ، وهكذا تستمرّ هذه المعادلة في حياة البشرية .
واللافت أنّ الإمام عليه السلام قد وصف نفسه بستّ صفات ، ولكنّه وصف ولده بأربعة عشر صفة ممّا يواجهه كلّ إنسان في حياته الدنيا من مشاكل وصعوبات ، يعني في مقابل كلّ صفة وصف فيها نفسه ، فقد وصف ولده بصفتين ، وفي مقابل كلّ مشكلة واجهها في حياته ، فإنّ مخاطبه سيواجه مشكلتين .
نفحات الولاية — صفحة 415
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤١٥