وعبارة : « وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ » مع الأخذ بالحسبان أنّ كلمة « رميّة » تعني الشيء الذي يوضع غرضاً وهدفاً لرمي السهام ، فهذه العبارة تشير إلى المصائب والبلايا التي تصيب الإنسان في ماله ونفسه وأقربائه وأعزّته حيث تهجم عليه من كلّ جهة وتجعله غرضاً لها ، فلا نكاد نرى أحداً لم يواجه طيلة عمره المصائب المختلفة ، كما قال الإمام عليه السلام في مورد آخر : « دارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ » « 1 » .
ومن عجائب الدنيا أنّ الإنسان غالباً لا يرى سهام المصائب وهي تتّجه نحوه ولا يرى مصدرها وكيف ابتلي بها ، ولكنّه فجأة يفتح عينه ليرى حلول المصيبة به ، وكما قال الشاعر :
وَلَوْ انَّني أُرْمى بِنَبْلٍ ، رَأَيْتُها * وَلكِنَّني أُرْمى بِغَيْرِ سِهامٍ « 2 »
وجملة : « وَعَبْدِ الدُّنْيَا وَتَاجِرِ الْغُرُورِ » إشارة إلى أنّ الإنسان حاله حال العبد يعيش في أسر الأهواء والشهوات ويرفل في قيود الآمال والمطامع الدنيوية ، وهذه الأمور تأخذ به من كلّ جانب ، أمّا كونه تاجر الغرور ، من جهة أنّه يتصوّر أنّ أمواله ورأس ماله الذي أتعب نفسه في جمعه في هذه الدنيا حقيقة موضوعية إلّاأنّه ليس سوى سراب بقيعة وتشكيلة من الخداع الغرور ، فسوف يفقد هذه الأموال والثروات وقد يقبع الآخرون في انتظارها .
وعبارة : « غَرِيمِ الْمَنَايَا » تشبيه للإنسان بالشخص المدين الذي يطلبه الموت ، فالموت يسلب منه روحه ويضع جسمه في لحد القبر ، وكلمة : « أَسِيرِ الْمَوْتِ » تبيّن هذا المضمون بشكل آخر ، فأحياناً يقول : غريم الموت ، وأخرى يقول : أسير الموت .
وعبارة « حَلِيفِ الْهُمُومِ » و « قَرِينِ الْأَحْزَانِ » إشارة إلى أنّ الإنسان يعيش طيلة حياته مع أنواع الهموم والأحزان ، همّ المعيشة والرزق ، همّ المرض ، همّ فقدان الفرص ، همّ خيانة بعض الأقربين والرفقاء ، همّ مؤامرات الأعداء ، فهل يمكن العثور
هامش
( 1 ) . نهجالبلاغة ، الخطبة 226 .
( 2 ) . القائل هو لبيد بن ربيعة الجعفري ، وهو من المعمرين ، انظر : كمال الدين وتمام النعمة ، ص 565 ، بحارالأنوار ، ج 51 ، ص 245 .