نَفْسِكَ » ، أي أنّ المفروض بك أن تجاهد نفسك وتخالف هواك .
وجهاد النفس فرض على الجميع ، ولكنّه أكثر وأشدّ لزوماً على الولاة والقادة ومن بيدهم القرار ، لأنّ هؤلاء يعيشون دوماً الوساوس النفسانية والشيطانية ، فلو أنّهم غلبوا في هذا المجال وسيطرت عليهم الأهواء والشهوات فإنّ ذلك من شأنه إشاعة الظلم والفساد في المناطق التي تحت إمرتهم وولايتهم .
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام التوصية الثانية ويقول : « وَأَنْ تُنَافِحَ « 1 » عَنْ دِينِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ » .
وبديهيّ أنّ الإنسان المؤمن ينبغي أن يتحرّك بعد الجهاد الأكبر ، وهو جهاد النفس ، في طريق الجهاد الأصغر والتصديّ لقوى الكفر وأعداء الامّة لحفظ الدين وصيانة المقدّسات والمنافحة عن التعاليم السماوية ، وفي هذا الأمر يؤكّد الإمام عليه السلام على أنّه لو لم تكن لدى الإنسان سوى ساعة من عمره أو من تواجده في سدّة الحكم ، فينبغي أن لا يكفّ عن الدفاع عن الدّين ، ولا يبخل في بذل الغالي والنفيس في هذا السبيل .
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام التوصية الثالثة ويقول : « وَلَا تُسْخِطِ اللَّهَ بِرِضَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، فَإِنَّ فِي اللَّهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ » .
فأحياناً يجد الإنسان نفسه بين طريقين ، فطريق يتوجّه به إلى اللَّه تعالى وكسب رضاه ، وطريق آخر يقوده لتحقيق رضا الناس ، وفي هذا الطريق يطلب منه الناس أموراً أكثر من حقّهم ، وهنا يتميّز المؤمنون الخلّص من غير المؤمنين ، فالمؤمنون يتحرّكون دوماً في خطّ الطاعة وطلب رضا اللَّه تعالى ، لأنّهم يعلمون أنّ نيل رضا اللَّه ورعايته من شأنه أن يمنحهم القوّة والحيوية ويمنع عنهم أيّ ضرر ولا يستطيع أيّ شخص أن يلحق بهم الإساءة ، في حين أنّ السعي لكسب رضا بعض المتزلفين
هامش
( 1 ) . « تنافح » من « المنافحة » بمعنى الدفاع عن الشيء ، وأصله من « نفح » على وزن « فتح » التي تأتي دائماً بمعنىالنسيم الملائم والرائحة العطرة ، وأحياناً أخرى بمعنى دفع الشيء ، وجاءت « منافحة » بهذا المعنى .