الخفية وتنشر الملفّات وتذاع الأسرار على أهل المحشر ، وهنا ستكون الفضيحة العظمى والخزي الأنكى .
والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام لم يكتفِ هنا بالتعبير بالخيانة في الأمانة فقط ، بل إنّه اعتبر أنّ الاستخفاف و « اسْتَهانَ بِالْامانَةِ » يعدّ منقصة كبيرة وعيباً أخلاقياً ، وهذا يعكس الأهمية الفائقة للأمانة .
يشير الإمام عليه السلام في ختام هذه الرسالة إلى نقطة أخرى ، وهي أنّ الخيانة تارةً تكون بالنسبة لشخص معيّن ، وأحياناً أخرى ترتكب في حقّ الامّة ، ومعلوم أنّ الخيانة في حقّ الامّة أقبح وأخطر من الأولى ، يقول : « وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ ، وَأَفْظَعَ « 1 » الْغِشِّ « 2 » غِشُّ الْأَئِمَّةِ ، وَالسَّلَامُ » .
والعلّة في ذلك واضحة ، لأنّ الإنسان إذا ارتكب خيانة في حقّ شخص أو عدّة أشخاص فربّما يندم يوماً ويتحرّك على مستوى البحث عن هؤلاء الأشخاص والاعتذار منهم وكسب رضاهم ، ولكن إذا كانت الخيانة متوجّهة إلى الامّة فإنّ جبرانها سيكون عسيراً جدّاً وقد يكون محالًا ، أضف إلى ذلك أنّ خيانة الامّة تفضي إلى الخيانة لإمام الامّة ، وكسب رضا الإمام لا يعدّ أمر يسيراً .
وقد استفادالإمام عليه السلام في هذه العبارة من مفردتين ، إحداهما : الخيانة ، والآخرى :
الغشّ ، وذلك من جهة أنّ الكثير من الخونة يستخدمون أسلوب الغشّ لإخفاء خيانتهم ، وفي الحقيقة أنّهم يرتكبون مخالفتين ، إحداهما الغشّ والأخرى الخيانة ، ومن هذه الجهة أشار الإمام عليه السلام إلى كلا الأمرين ، والسبّب في أنّ الإمام عليه السلام ذكر الغشّ فيما يتّصل بالأئمّة ، هو أنّ الخونة يخشون من الإمام وقادة الامّة ، ولهذا السبب يخفون أعمالهم الشائنة وخيانتهم بطريقة الغشّ والخداع .
هامش
( 1 ) . « أَفظع » من « الفظاعة » بمعنى القبيح جدّاً .
( 2 ) . « الغش » تأتي أحياناً بكسر العين وأخرى بفتحها ، فعندما تأتي بكسر العين تكون اسم مصدر وتعني الخداع والحيلة والخيانة ، وإذا جاءت بفتح العين فتكون مصدراً وتعني عمل الخيانة والمكر .