دِيَاراً ، وَأَبْعَدَ آثَاراً ؛ أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُم هَامِدَةً « 1 » ، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً ، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً ، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً ، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً « 2 » » .
وقد قدّم القرآن في مختلف السور نماذج واضحة لهؤلاء الأقوام ، ومن ذلك قوم عاد وثمود كنموذج واضح فقال في سورة والفجر « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّك بِعَاد * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّك سَوْطَ عَذَاب » « 3 » .
فقد ذكر عليه السلام ثلاث خصائص تفيد رجحان الأقوام السابقة عليهم ؛ الأولى طول العمر ( بحيث قيل إنّ بعضهم كان يعمر أربعمائة سنة ) « 4 » وعمارة المدن حتى قال فيهم القرآن : « وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً امِنِينَ » « 5 » . وكانت لهم أراضٍ عامرة وبساتين نضرة ونعمة وافرة وكانوا بارعين في الزراعة .
وأخرى كانت آثارهم أبقى ، إشارة إلى أنّ مساكنهم وقصورهم وسائر أعمالهم العمرانية كانت على درجة من الإحكام بحيث بقيت لسنين عديدة ، لكن كيف كانت عاقبتهم ، سكنت الأصوات والضجيج وسيطر عليها الصمت وتعفنت أجسادهم تحت التراب وبليت عظامهم وطويت آثارهم .
والعبارة « وَرِياحُهُم رَاكِدة » بالنظر إلى أنّ رياح جمع ريح والريح هنا بمعنى الروح والقوّة فمفهوم ركودها أنّهم قعدوا تماماً عنالعمل ، وفسّره البعض بمعنى سكون ريح الغرور . كما يحتمل أن يكون المراد بها الريح التي تطال رايات الملوك والمقتدرين .
هامش
( 1 ) . « هامدة » من « الهمود » تعني في الأصل انطفاء النار وانخفاض الحرارة ثم أطلقت على انطفاء الصوت وهذا هوالمعنى المراد في العبارة .
( 2 ) . « عافية » من مادة « عفو » زوال آثار الشيء كأن تهب الريح وتزيل ذرات الرمل وتمحوها عن النظر ومنه العفو الذي يعني إزالة آثار الذنب .
( 3 ) . سورة الفجر ، الآيات 6 - 13 .
( 4 ) . شرح نهج البلاغة للعلّامة الخوئي ، ج 14 ، ص 230 .
( 5 ) . سورة الحجر ، الآية 82 .