لأنّه وإن لم يكن هناك شيء من الأمور الدنيوية ، لكنّهم وجلون من أعمالهم بحيث لا يكترثون لغيرهم ( طبعاً يحدث كلّ هذا في الحياة البرزخية ) .
ثم قال عليه السلام في مواصلة ذلك : « لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْاوْطَانِ ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ ، عَلَى ما بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ ، وَدُنُوِّ الدَّارِ » .
العبارة « لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْاوْطَانِ » لعل العبارة لا يستأنسون بالأوطان إشارة إلى أنّهم وإن ناموا سنين متمادية في قبورهم ؛ لكن لا رغبة لهم بها ولا يأنسون بها ، كما احتمل أن يكون المراد ترك ارتباطهم بأوطانهم في عالم الدنيا فهم لا يفكرون في الرجوع إليه ، إلّاأنّ المعنى الأوّل بقرينة العبارة ( ولا يتواصلون . . . ) أصوب .
وأشار عليه السلام في الختام إلى هذه النقطة ، لم لا يسعهم الارتباط مع بعضهم : « وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ « 1 » الْبِلَى ، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ « 2 » وَالثَّرَى « 3 » ! » .
إشارة إلى أنّهم كانوا متلاصقين في قبورهم ، لكنّهم فقدوا كلّ قدرتهم وتحولوا إلى قبضة تراب ، وهل من تزاور ولقاء من العظام البالية والأجساد الخاوية ؟
غَريبٌ وَأطْرافُ الْبُيُوتِ تَحُوطُهُ * ألا كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرابِ غَريبٌ « 4 »
تأمّل : عاقبة الإنسان بعد الموت
ما ورد في الجمل المذكورة قرينة من الجمل التي جاءت بعدها والتي ترتبط بجسم الإنسان بعد الموت ، لأنّ الأجساد تتحول إلى التراب وليس في مقدورها الترابط والتواصل بل تعيش الغربة تماماً .
هامش
( 1 ) . « كلكل » بمعنى الصدر .
( 2 ) . « جنادل » جمع « جندلة » على وزن « مزرعة » الصخور .
( 3 ) . « ثرى » التراب .
( 4 ) . البيت للإمام الحسين عليه السلام ، لما وضع أخاه الحسن عليه السلام في لحده ، انظر : مناقب آل أبي طالب عليه السلام ، ج 3 ، ص 205 ؛ بحارالأنوار ، ج 44 ، ص 160 ، ح 29 .