تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
خَرَساً ، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً ، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً ، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ « 1 » الصِّفَةِ صَرْعَى « 2 » سُبَات « 3 » » . يا لها من عبارات بليغة وموقظة وكلمات مؤثرة وعميقة ! نعم ! فقد نسوا حتى كأنّهم ابتعدوا عنّا قروناً وانطفأت مساكنهم وكأنّهم غادروها منذ سنين مديدة في حين ربّما تجرعوا كأس المنون في لحظة وانتهى كلّ شيء . وأضاف في عبارات أخرى عميقة المعنى وموقظة : « جِيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ ، وَأَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ . بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا « 4 » التَّعَارُفِ ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْاخَاءِ ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَمِيعٌ ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلَّاءُ ، لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً ، وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاءً . أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً » . نعم كلّ شي لهؤلاء يختلف عن الأحياء ؛ بيوت قبورهم الواحد يلاصق الآخر دون أن يخبر أحدهم بالآخر أو يزوره ؛ إنّهم مجتمعون مع بعضهم في الداخل مع ذلك كأنّهم مقاطعون لأحدهم الآخر ؛ إن غادروا الدنيا ليلًا فسوف لن يروا طلوع الشمس قط وإن غادروها نهاراً لم يروا ظلمة الليل أبداً وفي هذا أنشد الشاعر :
لابُدَّ مِنْ يَوْمٍ بِلا لَيْلَةٍ * أوْ لَيْلَةٍ تَأتي بِلا يَوْم
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى جانب آخر من أحوال الموتى وأرواحهم عند مشاهدة العذاب الإلهي والثواب العظيم فقال : « شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ « 5 » مِمَّا خَافُوا ، وَرَأَوْا مِنْ آياتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا ، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ « 6 » ، فَاتَتْ مَبَالِغَ
هامش
( 1 ) . « ارتجال » بيان مطلب بدون مطالعة مسبقة ومن مادة « رجل » على وزن « أجر » المشي على القدمين واطلقت‌بهذا المعنى على المبدع الذي يرتجل الكلام وكأنّه يمشي على رجليه . ( 2 ) . « صرعى » جمع « صريع » الشخص أو الجنازة الملقاة على الأرض ومن جمع « صرع » على وزن « فرع » الالقاء على الأرض . ( 3 ) . « سبات » من مادة « سبت » القطع والقص ثم وردت بمعنى الاستراحة بعد العمل ومن هنا يقال للنوم سبات . ( 4 ) . « عرى » جمع « عروة » القبضة . ( 5 ) . « أفظع » من مادة « فظع » على وزن « جزع » بمعنى أخوف وأرهب . ( 6 ) . « مباءة » بمعنى المنزل تعني في الأصل الموضع الذي تعود إليه الجمال ومن مادة « بواء » على وزن « دواء » الرجوع والاطراق .