القسم الثاني
أولئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ ، الَّذينَ كانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ ، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ ، مُلُوكاً وَسُوَقاً . سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلًا سُلِّطَتِ الأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ ، وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ ؛ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ ، وَضِمَاراً لَايُوجَدُونَ ؛ لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الأَهْوَالِ ، وَلَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الأَحْوَالِ ، وَلَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ ، وَلَا يَأْذَنُونَ لِلْقَواصِفِ . غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ ، وَشُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ ، وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا ، وَآلَافاً فَافْتَرَقُوا ، وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ ، وَلَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ ، عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً ، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً ، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً ، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَى سُبَات . جِيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ ، وَأَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ . بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا التَّعَارُفِ ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْاخَاءِ ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَمِيعٌ ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلَّاءُ ، لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْل صَبَاحاً ، وَلَا لِنَهَار مَسَاءً .
أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً ، شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا ، وَرَأَوْا مِنْ آياتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا ، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَة ، فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ . فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا .
الشرح والتفسير : العالم العجيب بعد الموت
بعد أن وبّخ الإمام عليه السلام بشدّة أولئك الذين يزورون قبور موتاهم ويفخرون