القسم الثالث
وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ ، فَقَالُوا : كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّواضِرُ ، وَخَوَتِ الأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى ، وَتَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ ، وَتَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا ، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا ؛ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْب فَرَجاً ، وَلَا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً ! فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِك ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَك ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ ، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ ، وَتَقَطَّعَتِ الأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا ، وَهَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا ، وَعَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلىً سَمَّجَهَا وَسَهَّلَ طُرُقَ الْافَةِ إِلَيْهَا ، مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوب ، وَأَقْذَاءَ عُيُونٍ ، لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ ، وَغَمْرَةٌ لَا تَنْجَلِي .
الشرح والتفسير : أحوال الأموات !
شرح الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة ، وضع الأموات ومتوسدي القبور ببيان بليغ ومؤثر فقال : « وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ » .
ففي الواقع أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة إلى أمرين : أنّ الاستخبار عنهم ليس