أيّ جهة عمورية ، فقال له : الرجل هكذا ، وأشار إلى جهتها ، فردّ المعتصم وجهه إليها ، وقال : لبيك أيتها الجارية ، لبيك هذا المعتصم باللَّه أجابك ، ثمّ تجهز إليها في اثنى عشر ألف فرس أبلق وفي هذه التلبية يقول له في قصيدة أبو تمام حبيب الطائي :
لَبيتُ صَوتاً رَطيباً قَد هَرقت لَه * كأس الكَرى وَرضاب الحَردِ العرب
فلما حاصرها وطال مقامه عليها ، جمع المنجّمين ، فقالوا له : إنا نرى أنّك ماتفتحها إلّافي زمان نضج العنب والتين ، فبعد عليه ذلك واغتمّ لذلك ، فخرج ليلةً متجسّساً في العسكر يسمع ما يقول الناس ، فمرّ بخيمة حدّاد يضرب نعال الخيل ، وبين يديه غلام أقرع قبيح الصورة بضرب نعال الخيل ويقول : في رأس المعتصم ، فقال له معلمه : اتركنا من هذا ، مالك والمعتصم فقال : ما عنده تدبير ، له كذا وكذا يوماً على هذه المدينة على قوّته ولايفتحها ، لو أعطاني الأمر ما بتّ غداً إلا فيها ، فتعجّب المعتصم ممّا سمع وانصرف إلى خيامه وترك بعض رجاله موكّلًا بالغلام ، فلمّا أصبح جاءوا به فقال : ما حملك يا هذا على ما بلغني عنك ؟
فقال : الذي بلغك حقّ ، ولكن ما وراء خبائك ، وقد فتح اللَّه عمورية فقال : قد ولّيتك ، وخلع عليه وقدّمه على الحرب ، فجمع الرماة ، واختار منهم أهل الإصابة وجاء إلى بدن من أبدان الصور وفي البدن من أوّله إلى آخره خطّ أسود من خشب ، عرضه ثلاثة أشبار أو أكثر ، فحمى السهام بالنار وقال للرماة : من أخطأ منكم ذلك الخطّ الأسود ضربت عنقه ، وإذا بذلك الخطّ خشب ساج ، فعند ما حصلت فيه السهام المحميّة قامت النار فيه واحترق ، فنزل البدن كما هو ، وتحامى الرجال ، ودخل البلد بالسيف ، وذلك قبل الزمان الذي ذكره المنجّمون ، وفي ذلك يقول أبو تمام حبيب الطائي في قصيدته التي امتدح بها المعتصم عند فتح عمورية :