كلّ رأس فكراً وفي كل بدن قوّة وقدرة ؛ صغيراً كان أم كبيراً ، وعليه فليس لمن كان مقتدراً من حيث الفكر والإدارة والقوة البدنية أن يرى نفسه غنيّاً عن عون أضعف أفراد المجتمع ، كما لا ينبغي للأفراد الضعفاء والعاجزين ظاهرياً أن يتصوروا أنّهم ليس لهم دور في إدارة شؤون المجتمع .
روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : « غَريبان : كَلِمَةُ حِكْمَةٍ مِنْ سَفيهٍ فَاقْبَلُوها وَكَلِمَةُ سَفَهٍ مِنْ حَكيم فَاغْفِرُوها فَإِنَّهُ لا حَكيمَ إلّاذُو عَثْرَةٍ وَلا سَفيهَ إلّاذُو تَجْرِبَةٍ » « 1 » .
والتاريخ يحتفظ في ذاكرته بالعديد من مثل هذه الحوادث منها ما ورد في المعتصم :
لما خرج ملك الروم ، وفعل في بلاد الإسلام ما فعل بلغ الخبر المعتصم فاستعظمه وكبر لديه ، وبلغه أنّ امرأةً هاشميّة صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم : وامعتصماه ، فأجبها وهو جالس على سريره : لبيك لبيك ، ونهض من ساعته وصاح في قصره :
النفير النفير ، وبلغه أنّ عمورية عين النصرانية وأشرف عندهم من القسطنطنية ، فتجهز بما لم يعهد من السلاح وحياض الأدم وغير ذلك ، وفرّق عساكر ثلاث فرق ، فخربوا البلاد الروم وقتلوا كثيراً وأحرقوا ووصلوا إلى فانورية ، ثم اجتمعوا في عمورية وحاصروها ونصبوا عليها المجانيق وكانت في غاية الحصانة .
وقد ذكر الشيخ محيي الدين بن العربي في كتابه المسمى بالمسامرة فتح عمورية فقال : فتحها المعتصم في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، وسبب فتحها أن رجلًا وقف على المعتصم فقال : يا أمير المؤمنين كنت بعمورية وجارية من أحسن النساء أسيرة قد لطمها علج على وجهها ، فنادت : وامعتصماه ، فقال العلج : وما يقدر عليه المعتصم يجيء على أبلق ينصرك ! وزاد في ضربها ، فقال المعتصم : وفي
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 44 .