تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠

تأمّل : الثواب استحقاق أم تفضّل ؟

ورد هذا البحث لدى علماء الكلام منذ القدم ، هل الثواب الإلهي استحقاق أم تفضّل ؟ بمعنى إن أطاع العباد أوامر اللَّه فهل على اللَّه إثابتهم ، وإلّا كان ذلك قبيحاً عليه ؟ أم ليس للعباد أيشيء على اللَّه إن إمتثلوا أوامره وتركوا نواهيه ، وإن أثابهم فمن باب اللطف والرحمة ، وإلّا كان عين العدل ؟ قال بعض المتكلمين الذين يميلون لمذهب الأشاعرة بالتفضّل بينما ذهب مذهب الاعتزال للقول بالاستحقاق . يرى القائلون بالاستحقاق أنّ إلزام العباد بالطاعة يتضمن مشقّات ، فإن كان الإلزام هدفاً فهو ظلم وقبيح ولا يصدر من الحكيم ، وإن كان له هدف فليس ذلك الهدف سوى الثواب الجميل ، وعليه إن لم يعط اللَّه الثواب استلزم القبح المحال على اللَّه ، أمّا القائلون بالتفضّل فيقولون : إنّ اللَّه غمرنا بالنعم لو فنينا أعمارنا في طاعته لم نؤد شكر جزء من نعمه ، وعليه فلا نستحق منه شيئاً ليلزم بإعطائه . إلّا أنّ المذهبين كأنّهما غفلًا نقطةً الالتفات إليها يكشف النقاب عن هذه المسألة ويجلي الحق ، وهي أنّ استحقاق الثواب حين يقدم أحد خدمة لآخر فيتوقع عليها الأجر والثواب ، بعبارة أخرى ، قال المذهبان بالثواب أو ما يشبهه على طاعة أوامر اللَّه ؛ فالمذهب الأوّل يقول : إنّهم تلقوا أجرهم من قبل بصيغة نعم إلهية ، والثاني يرى أنّهم لابدّ أن يحصلوا عليه لاحقاً . والحال نعلم أنّ لجميع الأوامر والنواهي مصالح تعود لنفس المكلفين ، فالصوم والصلاة والحج والجهاد سبب صفاء الروح وتكامل النفس والعزّة والرفعة وترك الذنب والغيبة والخمر والقمار ينقذهم من المفاسد والانحرافات ، وعلى هذا الأساس فإنّ المكلفين إنّما يخدمون أنفسهم في الطاعة وترك المعصية ، فهل لهم أن يروا لأنفسهم أجراً على اللَّه إزاء خدمتهم لأنفسهم ؟ !