شجاعة لأنّه ينبع من موقع القوّة وليس من قبيل الاستسلام تجاه الظلم ، ويعتمد البذل والعطاء تجاه من حرمه ومنعه ، وهذا دليل على جوده وكرمه .
وبالتالي فهو يمد يد المصالحة والسلام لمن يقاطعه ويشمله بعونه ونجدته وهذا شجاعة وكرم .
جاء في الخبر المروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال :
« إِذا كَانَ يَومَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ أَينَ أَهلُ الفَضلَ ؟ فَيَخرُجُ عُنقٌ مِنَ النّاسِ . فَتَسأَلُهُم المَلائِكَةُ : وَما كَانَ فَضلُكُم ؟ فَيَقُولُونَ : « كُنّا نَصِلُ مَنْ قَطَعَنا ونُعْطى مَنْ حَرَمَنا ونَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنا » .
فَيقَولُونَ لَهُم : « صَدَقْتُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » « 1 » .
وقد أمرنا اللَّه تعالى في القرآن الكريم بصورة عامة وشاملة بهذا الخلق ، حيث خاطب النّبي صلى الله عليه وآله قائلًا : « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ » « 2 » .
ثم أشار الإمام عليه السلام في عبارات قصيرة وعميقة المعنى إلى ست صفات بارزة أخرى في المتّقين فقال :
« بَعِيداً فُحْشُهُ « 3 » ، لَيِّناً قَوْلُهُ ، غَائِباً مُنْكَرُهُ ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ ،
مُقْبِلًا خَيْرُهُ ، مُدْبِراً شَرُّهُ » .
والصفات الست التي يقابل كلّ زوج فيها الآخر وتفسر بعضها البعض الآخر تشير إلى سلوكيات وتصرفات المتّقين الاجتماعيّة .
والعبارة :
« بَعِيداً فُحْشُهُ ، لَيِّناً قَوْلُهُ »
إشارة إلى أنّ معاملتهم لجميع الناس تنطلق من اللسان الجميل والكلمات المفعمة بالخير والمحبّة وليس في أقوالهم وأعمالهم أي نوع من العنف والغلظة ، فهم ليسوا بعيدين غاية البعد عن الفاحش من القول فحسب بل هم أبعد ما يكونون عن الفاحشين .
وقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام حين سئل عن حد حسن الخلق أنّه
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 3 ، ص 149 .
( 2 ) . سورة المؤمنون ، الآية 96 .
( 3 ) . « فحشه » يقال لكلّ مَن تجاوز حد الاعتداء وبلغ الحد الفاحش . ولذا يقال فحشاء للأعمال والأقوال القبيحةوالمنكرة ، وأخذت المفردتان فاحشة وفحشاء من هذا أيضاً .